Zamen | زامن
الليبرالية الإسلامية
لقد بات الفكر العربي منذ أوائل القرن التاسع عشر وهو يبحث عن أي وسيلة للحاق بعصر النهضة الذي كانت أصداؤه في كل مكان حاضرة، ووقف رواد الفكر الإسلامي محاولين إعادة قراءة التراث لوجود مخرج آمن للحقبة التي لاحقته، من جراء صدمة كادت أن تقضي على الأساس التراثي الذي ورثه المسلمون عن أسلافهم. وفي تلك الحقبة سلك رواد الفكر الإصلاحي طريقين: الأول: محاولة التوفيق بين نصوص التراث الإسلامي، وبين الفكر الغربي. الثاني: الثورة على التراث وإخضاعه للنقد اللاذع باعتباره سببًا من أسباب التخلف. ونحن بصدد الحديث عن الأول، وهو محاولة التوفيق بين النصوص الشرعية، وبين الثقافة الغربية. لقد استيقظ المسلون على فارق الإمكانات بين أوروبا، والمجتمعات المسلمة؛ فظهرت حركات تبحث عن النهضة، منذ رفاعة الطهطاوي، وجمال الدين الأفغاني، ثم من بعدهما، وبدلًا من أن يكون لدى المنهزم قناعة بمعتقده وتراثه، والبحث عن أسباب الخنوع والتخلف، نشرت المدارس الفكرية ما في ذاتها من شعور داخلي عميق بالهزيمة النفسية لثقافة الغرب الغالب، فأولت المعطيات الشرعية لتوافق الثقافة الغالبة، وخصوصًا عبر آلية حقن الفظ التراثي بالمضمون الغربي تمهيدًا لتبيئته. ولعل من أوائل من رصد هذه الظاهرة هو المؤرخ ألبرت حوراني، وهو يتحدث عن الحقبة الأولى للنهضة الغربية، وتأثر رواد الفكر العربي والإسلامي بالثقافة الغربية، فيقول: «لقد كانت هذه الحركة (إصلاحية) لأنها استهدفت إحياء ما كانت تعتبره العناصر المهملة في التراث الإسلامي، غير أن عملية هذا الإحياء قد تمت تحت تأثير الفكر الليبرالي الأوروبي، فأدت تدريجًا إلى تفسير جديد للمفاهيم الإسلامية بغية جعلها معادلة للمبادئ الموجهة للفكر الأوروبي في ذلك الحين. (عمران) ابن خلدون تحول إلى (تمدن) غيزو، و(مصلحة) الفقهاء المالكيين، وابن تيمية تحول إلى (منفعة) جون ستيوارت ميل، و(إجماع) الفقه الإسلامي إلى (الرأي العام) في النظرية الديمقراطية، و(أهل الحل والعقد) إلى (أعضاء المجالس البرلمانية)…». لقد لاحظ المؤرخ ألبرت حوراني، في الحركات النهضوية المبكرة أمرين: – أنها حاولت تطويع المعطيات الشرعية للثقافة الغربية الغالبة. – وأن الآلية التي استخدمتها هي: ضخ المفاهيم الغربية في مصطلحات تراثية. وقد كان كثير من المصلحين في تلك الحقبة التاريخية، يعتقدون أنهم بتطويع الشرعية للثقافة الغربية الغالبة يحمون الشباب المسلم من الإلحاد، ويخففون في نفوسهم من مرارة الفارق الحضاري، ولكن المفارقة أنه حدث العكس! يقول ألبرت حوراني: «لقد نوى محمد عبده إقامة جسر ضد العلمانية، فإذا به في الحقيقة يبني جسرًا تعبر العلمانية عليه، لتحتل المواقع واحدًا بعد الآخر». فما هي الأسباب التي أدت إلى البحث عن محاولات للتوفيق بين النص الشرعي والثقافة الغربية؟ من أهم الأسباب التي أدت إلى ذلك: الهزيمة العسكرية والسياسة والتي غالبًا ما تلحقها هزيمة فكرية وثقافية. يقول علامة التأريخ ابن خلدون: «في أن المغلوب مولع أبدًا بالاقتداء بالغالب، في شعاره وزيه ونحلته وسائر أحواله، والسبب في ذلك: أن النفس أبدًا تعتقد الكمال في من غلبها وانقادت إليه، إما لنظره بالكمال بما وقر عندها من تعظيمه، أو لما تغالط به من أن انقيادها ليس لغلب طبيعي، إنما هو لكمال الغالب، فإذا غالطت بذلك، واتصل لها اعتقادًا، فانتحلت جميع مذاهب الغالب وتشبهت به… حتى أنه إذا كانت أمة تجاور أمة أخرى، ولها الغلب عليها، فيسري إليهم من هذا التشبه والاقتداء حظ كبير». لعل ابن خلدون قد لخص أهم الأسباب التي جعلت الفكر الإسلامي يتأثر بالفكر الغربي في تلك الحقبة، وهي الانهزام النفسي الذي يلحق الهزيمة السياسية والعسكرية. حتى عندما كان الإسلام تدين له الغرب وتقع تحت مملكته، كان الغرب يتأثر بالمسلمين في كل شيء، حتى في الملبس واللغة والنظافة، ولقد رصدت هذا المستشرقة الألمانية زيغرد هوكنه في كتابها شمس العرب تسطع على الغرب، وتحدثت عن مدى تأثر الفكر الأوربي بالثقافة الإسلامية باعتباره الغالب المنتصر، مع تأكيد أهم المفارقات بين الحضارة الإسلامية، والغربية. والسبب الثاني، وهو فرع عن الأصل الأول، هو القوة المادية، فالفكر مهما كان هشًّا إلا أن هناك قوة مادية تدعمه تجعل له أثرًا وبريقًا في نفوس متبعيه، فإذا ما زالت القوة الداعمة له بانت هشاشته وضعفه. والمتأمل في القرن العشرين وما حل به من أفكار، يجد أن أي فكرة أو أيديولوجية كانت تدعمها قوة مادية تؤثر، لا أقول في النفوس فحسب؛ بل في المنهج الفكري، لقد كان الفكر الاشتراكي في منتصف القرن العشرين له بريق بسبب قوة الاتحاد السوفيتي؛ مما جعل كثيرًا من المفكرين المسلمين يحاولون تطويع المعطيات الشرعية مع الفكر الاشتراكي، وقد كان من هؤلاء الدكتور مصطفى السباعي المعروف عنه ذبه عن السنة، ألف كتاب اشتراكية الإسلام، محاولًا إبراز النصوص الشرعية التي تتحدث عن العدالة الاجتماعية والكفالة ومقاومة الفقر، ولم يكن هذا إلا نتاج للقوة التي كان يحظى بها الفكر الاشتراكي حينئذ، وبعد سقوط القوة الاشتراكية وصعود الصحوة الإسلامية حاول كثير من رواد الفكر الاشتراكي والشيوعي محاولة التوفيق بين الفكر الاشتراكي، وبين الإسلام؛ فنشأ ما يسمى باليسار الإسلامي، وكان من رواد هذا الفكر الدكتور حسن حنفي محاولًا استخدام المصطلحات والأفكار الاشتراكية في مصطلحات شرعية؛ مما جعل المفكر الاقتصادي الدكتور جلال أمين ساخرًا منه «ومنهم من يفسر الدين تفسيرًا غريبًا مثل قوله (إن الله هو الثورة)». وحتى محمد عابد الجابري قد بقيت في خطابته أوشاب ماركسية لم يستطع التخلص منها في كتابته الفكرية، وهو يستعرض فيه النبوة والخلافة الراشدة في قالب تفسيري ماركسي- اقتصادي، وهو ما يسميه الماركسيون (منهج المادية التاريخية)، في التفسير يقول الجابري: «تاريخ الإسلام منذ قيام الإسلام إلى اليوم صراع بين الطبقات». ولما كان الفكر الليبرالي هو الفكر الغربي السائد الآن في الغرب، وهو ما يعطي له سلطة ثقافية غالبة، فتجد جل ما يطرح على الساحة الإسلامية من قضايا، ليست لأن مجتمعاتنا بحاجة إليها؛ بل هي في الأصل محاولة لتطويع الفكر الإسلامي والنصوص الشرعية لتتماشى مع الفكر الغربي السائد، وفي المقال القادم سنتعرض لأهم القضايا التي تناقش في الساحة الإسلامية والعربية، وردها إلى أصولها الفكرية لنرى مدى محاولة تطويع النصوص الشرعية لموافقة الثقافة الغربية الغالبة.
See this content immediately after install