Zamen | زامن
 في رحاب نقاء الطب 
شرف كل علم بشرف معلومه أو بمسيس الحاجة إليه, ولما كان المعلوم شريفًا في ذاته وكان العلم ضروريًا كان الطب بلواحقه شريفًا إذ اجتمع فيه السببان اللذان بهما يُجلَب للعلم شرفه. الطب دوحة خلابة تزينت بجميل دعوات الصادقين ممن جعلك الله سببًا في شفائهم، والطب رسالة إنسانية سامية قبل أن يكون مهنة عنوانها العطاء قبل الأخذ, والتضحية دون انتظار الثناء والمقابل, وتحمل الأذى والضرر في صبر ورضا, والحلم مع الجهلاء, وحكمة في التعامل مع الصعوبات والمتاعب, وشفقة حانية تخفف آلام المرضى والمكلومين, وصدر رحب يحتوي الأبيض والأسود، والغني والفقير، والقوي والضعيف، والصديق والعدو، والبر والفاجر، والمؤدب والبذيء، فصاحب الطب لا يغلِّب مشاعر القرب والبعد أو الحب والكره على الحكمة والمبدأ وأخلاقيات الإنسان قبل المهنة, ومع ذلك فلا أحد حجة على الطب. الطبيب يشفي الأمراض, فهو سبب في حياة الأبدان التي تعمر الأرض وتعبد الخالق وتنشر الخير وتدفع الشرور, والأبدان موطن الأرواح والنفوس والعقول فإصلاح العقول التي تحصِّل العلم وتحققه يبدأ بإصلاح الأبدان (العقل السليم في الجسم السليم), وكذا إصلاح النفوس أوله إصلاح الأجساد كما قال القدماء: «أخلاق النفس تابعة لمزاج البدن» فالشخص بعد شفائه يسعد ويهدأ باله وينشرح صدره ويتهلل وجهه ويحسن مزاجه وخُلُقه. الطبيب يبذر بذور الرحمة والشفقة والتضحية والنبل في المجتمع, والذي بمقدوره -بإذن الله- أن يداوي علل الأجساد بمقدوره أن يحمل على عاتقه كذلك مداواة المجتمع من علله وأسقامه المعنوية والمادية, فالطب تطبيب للنفوس والأبدان والعقول والأرواح والأخلاق والمجتمع بأسره فتداووا عباد الله فما خلق الله من داء إلا وجعل له دواء علمه من علمه وجهله من جهله؛ فإنَّ لبدنك عليك حقًا. الطبيب أمين على أسرار المرضى وعوراتهم فهو ينظر إلى عورات مرضاه بعين الحيي المضطر المشفق على مرضاه, ويدخل السرور على مرضاه بالرغم من أن أعمدة مهنته الآلام والمتاعب والأوجاع، الطبيب الحق لا يغش ولا يكذب, فطبيعة مهنته تحدوه نحو الإخلاص والصدق والتفاني, ورغبته في إبراء مرضاه تتغلب على رغبته في التماس المال. الطب نبيل فقد نقل عن الشافعي -رحمه الله- أنه قال في الطب: «العلم علمان: علم للدين وعلم للدنيا, أما العلم الذي للدين فهو الفقه, وأما العلم الذي للدنيا فهو الطب, ولولا حاجة الناس إليَّ في الفقه لاشتغلت بالطب», وقال كذلك: «لا أعلم علمًا بعد الحلال والحرام أنبل من الطب». الطب عزيز لا يُعطَاه أي أحد, فذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. الطب شريف فهو صناعة إلهية «وإذا مرضت فهو يشفين», فالطبيب صنعة الله ليكون سببًا في الشفاء, ومما زاد الطب شرفًا أنّ معجزة سيدنا عيسى -صلى الله عليه وسلم- كانت في الطب «وأبرئ الأكمه والأبرص وأحيي الموتى بإذن الله». الطب من أقصر الطرق الموصلة لقلوب العباد وكسب ودها, وما أجلها من نعمة أن تنال حب الناس, فالطب نعمة مركبة. الطب يجدد ثياب الإيمان التي خلقت, ويجلي الران عن القلوب التي صدأت, ويعيد روابط الصلة التي انقطعت, فهو شغل للحياة, وعنوان لكل جميل, فاللهم ارحم أهل الطب. الطبيب مأمون على الأم والأب الطفل والشاب الشيخ والعجوز مأمون على المجتمع, فاحمد الله على نعمته عليك, وابتعد عن داء العُجب وتذلل لمن علمك ما لم تكن تعلم حتى يعطيك من فيوضات علمه الواسعة التي لا حصر لها ولا انتهاء, فالطب يطَّوَّف بصاحبه حول محاريب العبادة والعلم والتدبر والقرب والمَعِيَّة فطبتَ نفسا أخي الطبيب. الطب صعوبات وحلول، فمهما قابلتك من صعوبات فتذَكَّر المصير الدنيوي والمصير القريب في الآخرة, فمن أبصر المآل هانت عليه مشقة الطريق, وتبسَّم ولا تعبس, واصبر ولا تعجز, وامشِ ولا تلتفت, وتذكّر دائما أنك بنيتك الصالحة وإعمارك الحقيقي والفعلي للأرض حتما ستجد في القادم ما يُبهِج, فتبسَّم من قلبك, وارسم تلك البسمة على شفتيك, وردد دائمًا: «الحمد لله على نعمة الطب».
See this content immediately after install