Zamen | زامن
كيف يكون الإقدام على المخاطرة أكثر سلامةً مما تعتقد؟
كارين فايرستون – هارفارد بزنس ريفيو: تعمل كاليندا في وظيفة براتب عالٍ في شركة استثمار وتعيش على أطراف بوسطن مع خطيبها. كلاهما يحبان الركض في الحدائق قرب البيت بعد العمل كما يركبان الدراجة الهوائية ويمارسان رياضة التزلّج في عطلة نهاية الأسبوع. المشكلة هي أنّ كاليندا تعمل لساعات طويلة إلى درجة لا تتيح لها أن تستمتع حقاً بالأنشطة التي تؤديها. وقد وصل الأمر حدّ أنّها بدأت تكره وظيفتها، حتّى أنّها ذهبت إلى مقابلة عمل في شركة أصغر لا تعطيها سوى 60% من راتبها الحاليّ- ولكن بجدول أعمال معقول وفرصة لتصبح مديرة شريكة بعد ثلاث سنوات من العمل مما يضمن لها تعويضات أعلى في المستقبل. إلا أنّها شعرت أنّ هذه الخطوة تنطوي على مخاطرة عالية، فقررت أن تستمر في وظيفتها الحاليّة.فيليب تعب من الإيجار، فذهب مع وكيل عقارات ليرى بعض الشقق الجميلة قرب مصنع للقطن في منطقة بروفدنس، في رود أيلاند. عرت فيليب أنّ هذه العمارة تقع قرب مجمع مكاتب جديد انتقلت إليه مؤخراً شركة جديدة مختصة بتطوير التطبيقات، وباعتبار فرصة النموّ لهذه الشركة وما يعنيه ذلك من زيادة عدد الموظفين الذين سينتقلون إلى المنطقة، فإنّ الطلب سيزداد وستزداد معه قيمة الشقق، لذا قرر فيليب شراء شقّة هناك. خسر دِين نصف محفظة أسهمه عام 2008، وهو لا يستطيع الآن تحمّل فكرة خسارة المزيد من النقود، فقرّر بيع كامل حصّته من الأسهم عام 2009، حين بدأ السعر بالتعافي. بعد مضي سنتين على ذلك ما يزال دين محتفظاً بما لديه من مال، وفي أحد الأيّام وبعد أن استمع إلى محاضرة تشويقيّة وبحث قليلاً في الإنترنت، قرّر أن يستخدم معظم ما معه من مال لشراء ألواح الذهب. نجد في هذه الأمثلة أن كاليندا وفيليب ودين، كلّهم قرّروا أفعالهم بدايةً بما يضمن لهم تجنّب المخاطرة. وبصفتي رئيساً تنفيذياً لشركة استثمارية ومؤلف كتاب بخصوص الإقدام على المخاطر فقد حظيت بفرصة الحديث مع العديد من الناس، وتوصلت إلى أنّه حتّى لو اعتبرنا أنفسنا نميل إلى تجنّب المخاطر، فإنّ ما نجده سلوكاً “أدنى خطراً” ينطوي على قدر من الغموض أكبر مما نتوقّع. وهذا يعود إلى أنّ انعدام الخطر يتطلب عادة حالةً من الثبات في وضع ما- وينطبق هذا على الأمن في الوظيفة، أو الزواج المستقر، أو قيمة عُملة ما. والحقيقة هي أنّه قلّما تتمتّع الظروف من حولنا بحالة الثبات الدائم. فالتغيّر من طبيعة الأشياء، والثبات هو الاستثناء. ولكنّا نتصرف عادة كما لو أنّ الوضع الذي نسير عليه سيتواصل بلا انقطاع. لذا نجد دين يقرر الاعتماد على الذهب في ذروة صعود سعره، ولكنّه يخسر 35% من قيمة مشترياته لحظة تراجع سعر الذهب. أما فيليب فينتقل إلى شقته الجديدة، ولكن شركة تطوير التطبيقات المجاورة له تتعرّض للإفلاس بعد أن أطلقت شركة أبل تطبيقات مشابهة على نظام iOS، وبقي 50% من مجمع المكاتب شاغراً على مدار خمس سنوات لاحقة، وبدل أن تزيد قيمة شقة فيليب تراجعت قيمتها بنسبة 20%. وبعد مضيّ سنة على تراجع كاليندا عن قبول عرض جديد من شركة أصغر، فإنها سُرّحت من وظيفتها بعد أن قررت شركتها تقليص حجمها. ثم استقرّت في وظيفة جديدة بعد تسعة أشهر من البحث براتب مشابه ولكن مع فرص أقلّ للتطوّر. وقد رأيت العديد من الناس أمام نكسات مثل هذه يرفعون أيديهم قائلين: “ليس في وسع أحد أن يتكهّن المستقبل!”. وهذا صحيح مبدئياً، ولكن هنالك بعض الأساليب التي قد تزيد من قدرتنا على تقدير المخاطر في المستقبل. لو قام فيليب مثلاً بالبحث قليلاً لاكتشف بسرعة وجود فائض في العقارات التجارية والسكنيّة في منطقة بروفدنس. لم يكن عليه أن يعرف أنّ لشركة أبل تاريخاً معروفاً في الاستحواذ على تطبيقات الشركات الصغيرة الأخرى، ولم يكن عليه كذلك أن يقيّم المهارات الإدارية للرئيس التنفيذي لشركة التطبيقات تلك. كل ما كان يلزمه هو السؤال عن نسبة العقارات الشاغرة في المنطقة وما إذا كان هناك طلب كاف لعقارات جديدة. فلو أنّه أخذ بعض الوقت في البحث عن إجابات هذه الأسئلة لمعرفة بعض العوامل التي تؤثر على سوق الإسكان المحليّ في تلك المنطقة لتراجعت حماسة فيليب لشراء الشقّة وتوجّه إلى استثمار أفضل. أمّا دين فقد أجرى بعض الأبحاث، ولكن يبدو أنّه لم يحصل على معلوماته من مصادر موثوقة. كان يمكن لشخص متخصص في التخطيط الماليّ أن يعرّف دين بالعواقب المحتملة للبيع في عند بداية ارتفاع سعر الأسهم، أو إعادة استثمار الأموال في محفظة غير متنوّعة، أو الطبيعة المتقلّبة لكافة السلع، بما فيها الذهب. كان يجدر بدين استشارة خبير حقيقي أو عدّة خبراء إن لم يكن يثق برأي شخص واحد. أمّا كاليندا فهي تعترف الآن أنّه قد كان يجدر بها أن تتنبّه إلى المخاطر التي تحوم حول الشركة التي تعمل فيها، ولاسيّما مستوى الإنفاق العالي في الشركة مقارنة بأدائها وأعمالها الجديدة. لقد كانت الشركة في طريقها نحو تقليص حجمها وتسريح بعض موظفيها، ولكنّ كاليندا تجنبت التفكير بذلك. أمّا الآن فهي تدرك أنّ الوضع القائم عادة ما ينطوي على بعض المخاطر، وأنّ تكلفة الإحجام عن المخاطرة قد تكون أعلى من تكلفة المخاطرة نفسها. فإن كنت ممّن يعتقدون أنّهم يتجنّبون المخاطر حاول الاستفادة من هذه الإستراتيجيات: إجراء البحوث بخصوص المسارات المحتملة لعمل ما، والحصول على المعلومات من مصادر موثوقة، وتقييم المخاطر الكامنة في وضع يبدو عليه الثبات. من المستحيل فعلياً تجنب المخاطر بشكل مطلق، وقد تدخل فكرة التفادي التام للخسائر في باب الوهم، ولكن يلزمنا مع ذلك أن نقر ونقبل بشجاعة حقيقة وجود تغيّرات محتملة غير متوقّعة في عالم الشركات والأسواق والتقنية وحتى في علاقاتنا الشخصية مع الآخرين.
See this content immediately after install