Zamen | زامن
زويل من المهد إلى اللحد
لا يستطيع القاصي والداني أن ينكر جدية ومثابرة، وفي الوقت ذاته، عبقرية العالم المصري الفذ «أحمد حسن زويل» في طلب العلم من المهد إلى اللحد؛ فالجحود نفسه يقر للرجل بالنبوغ والإنجاز العلمي، وعلى وجه التحديد في علم الكيمياء الفيزيائية، فلا ينبغي أن نبخسه حقه.وعلى ما يبدو للمنقب في نشأة الدكتور زويل فقد ولد لأسرة متوسطة الحال من أسر دلتا مصر في فبراير (شباط) 1946 بعد عام واحد من انتهاء الحرب العالمية الثانية، ونظرا لما خلفته الحرب من كساد وتدهور اقتصادي بالإضافة إلى الاستعمار البريطاني، فأسرة العالِم كغالبية الأسر المصرية، عانت في توفير سبل المعيشة، وكد الوالدان في تربية أبنائهم، وقد كان زويل الطفل الوحيدعلى ثلاث بنات.درج أحمد زويل سنين طفولته في مدينه دسوق حيث تنتمي عائلة والدته، فحين ارتحل الوالد حسن زويل من دمنهور إلى دسوق، واستقر به الحال تزوج بفتاة من دسوق، وأقام بها ، كان لمسجد «سيدي ابراهيم الدسوقي» في ذات المدينه أثر في نفس الطفل، وأيضًا في نفوس أقرانه؛ فدائمًا يصلون هناك، استذكروا دروسهم داخل ذلك المسجد، وعلى هذا النحو شب الطفل على الالتزام والاجتهاد في الدراسة.تراه تمكن منذ التحاقه بالمدرسهة بأن يكون في تعداد المتفوقين، وكانت أمه المتصفة بالورع والتقوى، كما نعتها ولدها الملهب والمشجع الأول لتفوقه والاجتهاد الجام في التعليم، وكذلك لا نغفل دور الأب والخال في تكوين شخصيته؛ فقد تعلم من الأول الإخلاص في العمل، والاستمتاع بالحياه، أما الاخير فقارئ جيد، زرع شغف القراءة في صدر ابن أخته.أما من ناحية التعليم في تلك الفترة، فهو الآخر كان مشجعا لذوي الإمكانات العقلية الخاصة أن تسعى نحو آمالها التي تلوح في الأفق، مهما كان الوضع الاجتماعي للوالدين؛ فمجانية التعليم دفعت الطلاب الفقراء ومتوسطي الحال قدمًا نحو التفوق؛ لإسعاد ذويهم، وبلوغ المرحلة الجامعية، وما بعدها من مكانة اجتماعية مرموقة.أخذ الطفل يكبر يومًا بعد يوم، وهو لا يمل أن يربي عقله على الثقافة والمعرفة، ويمتع مشاعره بالاستماع إلى أم كلثوم، حتى وصل مرحلة الثانوية، ففي هذه المرحلة وبعد مجهود شاق ومذاكرة ساعات طوال كل يوم حصل على مجموع 98 في المائة، وأتى به مكتب التنسيق إلى كليه العلوم جامعة الإسكندرية.وكما تعهد الفتى نفسه، فالجد والاهتمام بالدراسه لم يبرحانه في الجامعه، وعلى هذا المنوال تمكن بعد أربع سنوات في كليه العلوم من نيل بكالوريوس العلوم في الكيمياء بتقدير امتياز مع مرتبة الشرف الأولى، وفي التو الذي نال فيه شهادة البكالوريوس بدأ يفكر في نقطة البحث لتسجيل الماجستير، وقد تم له ما أراد وانتهى من كل شيء عام 1969، ثم جعل وجهته الولايات المتحدة الأمريكية بحثًا عن الدكتوراة.في الثالث و العشرين من أغسطس (آب) 1969 غادر زويل، وزوجته مطار القاهرة، قاصدًا الولايات المتحدة الأمريكية، وبالأحرى جامعة بنسلفانيا، فبعد المراسلة مع جامعة بنسلفانيا حصل على منحة دكتوراة مجانية تتحمل كل نفقاتها الجامعة المذكورة، ومن ناحيه أخرى فهو مقيد كمعيد في جامعة الإسكندرية، ويمكنه أن يصبح أستاذًت حين العوده بالدكتوراة.قضى في الخارج حوالي أحد عشر عاما قبل الزياره الأولى له لمصر، فكما علمنا مسبقًا: رحل 1969، وعاد في زياره 1980، وخلال أيامه الأولى بعيدًا عن الوطن، اصطدم بحواجز ثلاثة: علمية: سياسية، ثقافية، لكن شعوره بالرغبة في النجاح، وطلب العلم قهر هذه العقبات؛ فاستطاع أن يعوض ما افتقده من العلم، وبالأخص آخر ما توصل إليه العلم من تطورات في الكيمياء والفيزياء تخطى أيضًا حاجز السياسة، وبالرغم من أن مسأله الثقافه بدت مستعصية قدرًا ما، لكن بالاندماج في الصداقات والعلاقات الاجتماعيه دارت عجلة الحياة على ما يرام.بحلول صيف 1973 أكمل دراسته لدرجه الدكتوراة بعنوان «أطياف الرنين الضوئي والمغناطيسي للأكسيتونات والحالات الموضعيه في البلورات الجزيئية»، لم يرغب أن يكتفي بالدكتوراة ويعود بها إلى جامعة الاسكندرية لذا اجتهد في الحصول على منحة ما بعد الدكتوراة، وعلى أثر ذلك كتب إلى خمس جامعات يستعلم عن إمكانيه تلك المنحة .شملت تلك الجامعات جامعة «شتوتجارت بألمانيا، جامعه ليدن بهولندا، جامعة كاليفورنيا في بيركلي، جامعة كاليفورنيا في دافز، وجامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس»، وبالفعل تلقى عروضًا بالمنحه من الجامعات الخمس، لكنه آثر جامعة كاليفورنيا في بيركلي، وانتقل إليها 1974، مباشرة عقب انتقاله بدأ يخطو خطوات قوية وسريعة في بحثه العلمي الذي كان دائمًا في ازدهار ويمضي على قدم وساق .في عام 1975 أخطره البروفيسور «تشارلز هاريس» بأنه يؤمن بجدارته بالعمل في صفوة الجامعات الأمريكية، انطلاقًا من هذا التشجيع تقدم زويل بطلبات للعمل في عدد من الجامعات، منها: «كالتك، وشيكاغو، وبرنستون، وهارفارد، أجرى مقابلات في تلك الجامعات، وجميعها رحبت به للعمل فيها، لكنه فضل كالتك، بالرغم من كونها الأخيرة في الرد، بقبوله ضمن أساتذتها.جامعة كالتك هي أفضل مفترق طرق في مسيرته، فخلال تلك السنوات التي قضاها في كالتك مبحرا بسفينة العلم حصل على أعظم الجوائز والأوسمه، من بينها جائزة «الملك فيصل العالمية» في العلوم، جائزة «وولف»، جائزة «ويلش»، وجائزة «بنجامين فرانكلين»، أما الأسمى والأجل قدرًا فجائزة نوبل التي توج بشرفها 1999.جائزة نوبل هي نتاج عمل مضن وجبار أجراه الدكتور زويل داخل الذرة، وداخل الثانية، فإيجاده وحدة قياس جديدة للزمن، وهي «الفيمتوثانية».جزء من مليون بليون جزء من الثانية، واستخدامها بدلًا من «البيكوثانية»، جزء من الف بليون جزء من الثانية.أتاح رؤية كيفية إتمام التفاعلات الكيميائية بين الذرات المتحركة من حيث الربط والكسر في زمن حقيقي.الدكتور «أحمد زويل» العالم الأبرز في علم «الفمتوكيمياء» طاف الأقطار والأمصار، التقى ملوك وملكات رؤساء دول وسيداتها الأول، ناهيك عن الجوائز التي أحرزها، وكل هذا المجد الشخصي العظيم الذي حققه الرجل حافرًا اسمه ناصعًا كعالم جليل في صفحات التاريخ لم يتثن له من فراغ؛ فجهده العلمي لم ينقطع حتى وافته المنية في اليوم الثاني من شهر أغسطس (آب) الجاري عن عمر بلغ السبعين عامًا.أمثال زويل ونجيب محفوظ من أمتنا، هم علماء وأدباء عظام، ونحن كأبناء نفس الأمة نطمح أن يزجروا تلك السياسات الفاسدة في بلدنا، ويأخذوا موقفًا جليًا ضدها، خصوصًا، وهم الأدرى أن مثل هذه السياسات تخلق مناخًا قاتمًا غير ملائم لأي تقدم علمي أو أدبي، فعليهم ألا يكتفوا بالشهرة العالمية التي يخلفونها لنا، بل يحملوا على عاتقهم النهضة الحقيقية للأمة، وفي نهاية المطاف: رحم الله هذا العقل العظيم، وأخرج من أرحام نسائنا من صاروا على دربه.
See this content immediately after install