Zamen | زامن
«سي إن إن»: أردوغان يبتكر نوعًا جديدًا من الديمقراطية
بات حلم الرئيس التركي «رجب طيب أردوغان» بتحويل نظام الحكم في البلاد إلى النظام الرئاسي أقرب إلى الواقع.فقد قدم «حزب العدالة والتنمية» الحاكم 21 تعديلًا دستوريًا لتقوية سلطات رئيس الدولة. وبدعم من القوميين الأتراك اليمينيين، سيطرح البرلمان التركي على الأرجح حزمة التعديلات المقترحة لاستفتاء شعبي بحلول منتصف عام 2017.سيحد النظام الرئاسي المقترح بشدة من دور رئيس الوزراء، بينما سيمنح للرئيس سلطة إصدار القوانين، وإعلان حالة الطوارئ، وحل البرلمان، وتعيين الوزراء والمسئولين الرسميين، ونصف عدد قضاة المحكمة الدستورية. كما سينتزع حق البرلمان في محاسبة الوزراء، وسيكون ممكنًا تمديد فترة بقائه في المنصب حتى العام 2029.إن هذا النظام الرئاسي مميز وغير مسبوق.لقد استنسخت تركيا، ظاهريًا على الأقل، نظام الحكم في الولايات المتحدة عن طريق نزع الصلاحيات من منصب رئيس الوزراء. ولكن في الولايات المتحدة، يخضع الرئيس لفصل دقيق بين السلطات، المعروف باسم «الحكومة المنقسمة».من ناحية أخرى، سيتمتع الرئيس التركي بسلطات مطلقة تقريبًا في بلد به وسائل إعلام ناشئة، وقضاء وحركات مجتمع مدني، ودولة مركزية إلى حد كبير.سيؤدي تجميع كافة السلطات في يد الرئيس إلى تفاقم الاستقطاب الطائفي والعرقي والأيديولوجي الذي يضرب المجتمع التركي.وقد أظهر استطلاع للرأي، أجراه «صندوق جيرمان فاند» الأمريكي للأبحاث، أن 75% ممن جرى استطلاع رأيهم قالوا إنهم لا يرغبون في أن يلعب أطفالهم مع أطفال أشخاص يدعمون حزبًا سياسيًا مختلفًا. الأكثر من ذلك، عبر 83% منهم عن رفضهم أن تتزوج ابنتهم من شخص يصوت لحزب يرفضون أفكاره، كما عبر 78% عن رفضهم لفكرة الاشتراك في مشاريع مع شخص يصوت لحزب منافس.ولكن ما لا يثير الدهشة، هو أن الجدال حول النظام الرئاسي محموم للغاية. ففي نهاية نوفمبر (تشرين الأول) الماضي، أظهر استطلاع للرأي أجرته شركة بحوث الاستطلاع التركية A&G أن 45.7% من المشاركين في الاستطلاع يدعمون النظام الرئاسي، في حين عارضه 41.6% من المشاركين.يسبب هذا الأمر انقسامًا شديدًا في تركيا، لدرجة أن أردوغان اضطر للموافقة على التحالف مع حزب «الحركة القومي التركي» الضعيف؛ من أجل تمكين البرلمان من تمرير التعديلات ضد معارضة شرسة من حزب «الشعب الجمهوري الديمقراطي» ذي التوجه العلماني وحزب «الشعوب الديمقراطي الكردي».يأتي هذا في الوقت الذي تستعر فيه الصراعات في كل من سوريا والعراق المجاورتين، وبيئة متوترة في أعقاب محاولة انقلاب فاشلة، وهجمات تفجيرية متكررة في أنقرة وإسطنبول ينفذها تنظيم «داعش» أو «حزب العمال الكردستاني».يتعين على تركيا بدلًا من ذلك التركيز على السياسات الليبرالية والاقتصاد وتشجيع المصالحة والسلام الداخلي.تحتاج تركيا بصورة عاجلة إلى إصلاحات اقتصادية؛ لإنعاش استراتيجية النمو الاقتصادي المبنية على الاستهلاك، والقطاع الخاص، والاستدانة.انخفض معدل النمو في الربع الثالث من العام الحالي بواقع 1.8%؛ ليدخل المنطقة السالبة للمرة الأولى منذ 2009. وانخفضت قيمة الليرة التركية بنسبة 100% منذ أبريل (نيسان) منذ عام 2013؛ مما ضاعف من حمل الدين الذي يبلغ 230 مليار دولار لصالح البنوك وشركات القطاع الخاص. ويمكن للمرء أن يفترض بثقة أن معدلات النمو ستنخفض بشدة، وأن مدخولات الأفراد ستصبح راكدة في العام المقبل.على المستوى الخارجي، سيشير النظام الرئاسي الجديد إلى اتساع الفجوة بين تركيا والاتحاد الأوروبي. قبل بضعة أسابيع، صوت البرلمان الأوروبي بأغلبية ساحقة لصالح تعليق مفاوضات انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، المتعثرة أصلًا.ما كان ذات يوم علاقة مزدهرة أصبح اليوم مواجهة وشكوكًا متبادلة. وعلى الرغم من مناشدات أنقرة الدبلوماسية لموسكو، تظل أوروبا أكثر أهمية بكثير بالنسبة لازدهار تركيا، بالنظر إلى أن أوروبا توفر 75% من الاستثمارات الخارجية المباشرة في تركيا، ونصف معاملاتها التجارية تقريبًا.على الأرجح سينجح أردوغان في إضفاء الطابع الرسمي على رئاسته القائمة على فرض الأمر الواقع، على افتراض أن الاقتصاد التركي لن يتدهور بشدة.ومع ذلك، ستكتشف تركيا أن الاستقرار لا يعتمد على إقامة نظام رئاسي، وإنما على السعي لوضع برنامج طموح للإصلاحات الديمقراطية والاقتصادية؛ بما يتيح المجال لمشاركة أكبر من جانب المواطنين الأتراك في صنع مستقبل بلادهم.وفي نهاية المطاف، لقد سارت تركيا على هذا الدرب من قبل. وقد تسببت إصلاحاتها الاقتصادية الرائدة التي أدخلتها منذ عقود في انتشار الثروة والفرص المتاحة لتشمل القطاعات المحافظة من المجتمع التي كانت مهمشة ذات يوم، والتي خرج من رحمها الرئيس الحالي. وليس هناك ما يمنع من تكرار هذا الأمر.الكاتب: «فادي هاكورا»، هو خبير تركي وزميل مساعد في تشاثام هاوس، والمؤسسة الملكية للشؤون الدولية، وهي مؤسسة سياسية مستقلة تقع في لندن.
See this content immediately after install