Zamen | زامن
حوار مع صديقي المؤيد
في يوم من أيام شهر يوليو (تموز) الملتهبة، وفي تمام الساعة الواحدة ظهرًا، كنت في طريقي للعودة إلى البيت، وقبل أن يُهدئ سائق السيارة التي كنت أستقلها السرعة؛ ليتخطى مطبًا منتصبًا أمامه، لاحظت عامل نظافة يقف بالقرب من ذلك المطب يترقب وصول السيارة، وعندما حدث ما كان ينتظره الرجل قفز أمام السيارة، وأخذ يشير بيديه إلى فمه في إشارة إلى الركاب أنه يريد أن يأكل، ولا يملك ما يكفيه من المال ليطعم نفسه ويطعم الأسرة التي يعولها! مرَّ الموقف مرور الكرام، ولم يحرك أحد من الركاب ساكنًا؛ فالجميع اعتاد مثل هذه المواقف!يومها قابلت صديقًا مؤيدًا «سيساوي»، وجلسنا نتحدث عن بعض الأمور، فحكيت له هذا الموقف لرغبة مني في معرفة تحليله لأسباب هذه المصيبة التي أصبح الناس يتغاضون عنها، وكأنها شيء بسيط!«إنه شعب كسول وفاسد، يريد أن يؤتى له بالطعام والشراب جاهزًا، المسؤولون لا ينامون؛ حتى يوفروا لنا الطعام والشراب، ويتحملون كثرة مطالبنا وإلحاحنا، ونحن نقابلهم بالكسل والفساد والغش والرشوة. هؤلاء التجار الجشعاء الذين يحتكرون السلع هم أسباب كل هذا الفقر!»هكذا صال وجال وحلل وفسر صديقي العبقري سبب ضيق الرزق والعيش: كسل الشعب وجشع التجار! فقط! موارد دولة عظيمة بحجم مصر تتبدد بسبب هذين السببين فقط! ياله من منطق عجيب!صمت قليلًا ثم سألته «أين الكسل في أن يستيقظ هذا العامل صباحًا ويظل يعمل حتى المساء؟ وما هو سبب فساد الناس؟ هل هو بسبب خلل في التركيب الجيني لدى المصريين مثلًا؟ أم أن سلالة المصريين هي سلالة رديئة أم ماذا؟»راح صديقي يُدخل الأمور ببعضها، ويفتح عشرات المواضيع في آن واحد، فلم أستطع إكمال هذا الحوار الممتع.الحقيقة أن صديقي لم يخطئ، فثقافة مجتمعنا المصري متردية جدًا، ومشوهة بشكل محبط للآمال؛ فالفساد أصبح متداولًا بين الناس كأنه شيء عادي، والرشا قانونٌ مسلمٌ به في التعاملات، والبلطجة مصدر رزق قطاعات كبيرة من الشعب، والنصب والاحتيال محل فخر وتفاخر بين الناس، ولكنّ هذه المعطيات هي بالطبع دخيلة على الشخصية المصرية وليست طبعًا أصيلًا فيها، وسببها هو الفقر والجوع والمرض وسوء الإدارة وفساد الساسة والحكام الذين استنزفوا قوته وماله على مرّ السنين، وحولوه من شخص مبدع ومنتج إلى شخص جائع وبائس.مئات المليارات من الجنيهات هي حصيلة التقارير التي أعدتها اللجنة الحكومية لاسترداد الأراضي المنهوبة في عصر مبارك، عوضًا عن مليارات الجنيهات التي كان يجب أن يدفعها رجال الأعمال المقربون من السلطة آنذاك لمصلحة الضرائب ولم يحدث.هذه الأموال إذا كان تم صرفها في مواضعها كانت ستختلف حساباتنا اليوم كثيرًا، أما سياسة التحول مباشرة، ودون أية حكمة، من الشيوعية إلى الرأسمالية والانفتاح الاقتصادي التي انتهجها السادات، وأدت إلي زيادة الفجوة بين طبقات المجتمع وزيادة معاناة الفقراء على حساب المستثمرين والأغنياء الذين تجبروا بعد ذلك في عصر مبارك، هي سياسة سيئة تسببت في بداية انهيار الاقتصاد المصري.تخطى صديقي (المتأثر بالدوغمائية نوعًا ما) كل هذه الأخطاء وكل هذا الفساد ورماه وراء ظهره وكأن شيئًا لم يحدث، واعتبر أن الموظف الفاسد الذي يسرق مائة جنيه، أو المدرس الذي يذهب للمدرسة ليُوقّع فى ورقة الحضور ويتناول إفطاره، ثم يعود لبيته، أو التاجر الذي يخزن خمسين كيلوجرامًا من السكر، هم سبب ما نحن فيه! هذا هو التطبيق الحرفي لمقولة «إذا أردت أن يصدق الناس كذبك، امزج معه بعض الحقائق»، استغل صديقي وجود حقيقة معينة، وهي فساد كثير من الناس ليروج إلى أنها السبب في تأخرنا، وليس فساد الساسة وسوء إدارتهم! ثم إن مكافحة الكسالى والمقصرين والفاسدين ومعاقبتهم هي من ضمن اختصاصات الدولة في واقع الأمر، لماذا لم ينتبه لذلك الأمر؟!الغريب أن صديقي هذا يعتقد أن النظام الحالي هو نظام جديد قائم بذاته لا يوجد بينه وبين الأنظمة القديمة أية صلة أو تشابه، وأن سياساته ستجذب الأستثمارات للبلاد وستوفر فرص عمل للشباب، وستقضي على الفقر والجوع قريبًا، وستوفر الغذاء لعامل النظافة، وكل من يعاني مثله، وستعيد لهم الكرامة التي سُلِبت، فهل هذا صحيح؟يقول «سامى عبد الحميد» رئيس قطاع الشؤون الاقتصادية بوزارة الزراعة «إن ما خصصته وزارة المالية من ميزانيات لوزارة الزراعة، وذلك خلال اجتماع لجنة الخطة والموازنة بمجلس النواب الذى عقد لمناقشة خطة وزارتي الزراعة والرى برئاسة الدكتور (حسين عيسى)، مبلغ ضئيل جدًا ولا يكفي».وحذر من أن تخصيص 3 ملايين جنيه لعام 2016/2017 للبحوث الزراعية بعد أن كانت 70 مليون جنيه فى موازنة 2014/2015 يعوق تنفيذ الخطة البحثية المستهدفة، كما أن تخفيض موازنة مركز بحوث الصحراء الذى يشارك فى مشروع استصلاح المليون ونصف مليون فدان إلى 4 ملايين جنيه يعد مبلغًا ضئيلًا للغاية، ولا يمثل شيئًا.وبدوره أكد الدكتور «علاء عزوز» نائب رئيس مركز البحوث الزراعية أن تقليص ميزانية المركز المسئول عن تحقيق الأمن الغذائي للمواطن إلى 3 ملايين جنيه فى موازنة 2016/2017 بعد أن كانت 70 مليون جنيه فى عام 2014/2015، ثم تم تخفيضها إلى 16 مليون جنيه عام 2015/2016، يعد تدميرًا للزراعة المصرية، وخسارة للثروة الحيوانية، وزيادة الاستيراد.أضف إلى ذلك بعض الإجراءات الآتية التي اتخذتها الدولة:– إقرار قانون القيمة المضافة.– رفع الدعم عن البنزين.– اعتماد قانون الخدمة المدنية الذي سيُجلس 3 ملايين مواطن في بيوتهم دون مصدر رزق.– تعويم الجنيه ورفع الدعم دون تطبيق شبكة اجتماعية لحماية الطبقات الوسطى.– امتناع الدولة عن تطبيق الحد الأقصى للأجور.– زيادة ميزانية ماسبيرو 600 مليون جنيه في الميزانية الجديدة.– قرار زيادة معاشات العسكريين بنسبة 250% الصادر في نهاية 2015.أما بالنسبه للاستثمارات الأجنبيه؛ فمؤخرًا أعلنت 29 شركة سحب استثماراتها التي كانت ستصل إلى 15 مليار دولار في مجال الطاقة؛ وذلك بسبب تعنّـت الحكومه معهم في بند التحكيم في الخلافات القانونية.هل ما زلت معتقدًا أن سياسات النظام الجديد تصب في مصلحة الفقراء وإعلاء كرامتهم؟ إذن فمرحبا بك يا صديقي السيساوي الجديد!
See this content immediately after install