Zamen | زامن
انقلاب 25 يناير وثورة 30 يونيو
سواء كنت مؤيدًا لما جرى في الخامس والعشرين من يناير من عام 2011 أو رافضًا له فهو يظل حدثًا مفصليًا في التاريخ المصري المعاصر أيًا كانت نظرتك لما جرى أو تداعياته. يمكن تفسير ما حدث باعتباره نقطة مؤسسة لمرحلة جديدة في مسار تداول السلطة والتحول الديمقراطي في مصر. ومن ثم فإنه أيًا كان وصفك لما حدث حينها أو رؤيتك لما حدث بعد ذلك بأقل من عامين فإن المسميات لا تهم بقدر ما يهم فهم الإطار الأوسع الذي حدثت فيه هذه التغيرات. لو اعتبرنا أن ما حدث يوم 25 يناير 2011 بمثابة تحول جذري في علاقة السلطة السياسية بالمجتمع وأن هذا التحول لم ينته بعد ولن ينتهي إلا حين يحقق أهدافه كاملة تصبح قضية المسميات هامشية وتتراجع أهميتها في ظل تقدم المعنى وراء ما يحدث. رفعت احتجاجات يناير شعارات العيش والحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية لتنبئ عن تبدل في رؤية المصريين لما يريدونه من النظام السياسي الحاكم والدولة التي يعيشون فيها وينتمون إليها بحكم المولد والمنشأ. إن الهدف الأعمق لاحتجاجات يناير لم يكن فقط إسقاط النظام السياسي بل تغيير بنية الدولة بالكامل بما يعطي للمجتمع حرية الحركة والقيادة والإبداع ويفتح المجال العام للمواطنين. مثل هذه الأهداف لا يجوز اختزالها في فكرة التمكين السياسي وإن كانت صحيحة بل يمكن تفسيرها في ضوء تغير مفهوم السلطة ليس فقط في دول العالم العربي بل في جميع دول العالم، من أرقى الديمقراطيات إلى أشد السلطويات. تغير السلطة هو في واقع الأمر تطور ثقافي حتى وإن ارتبط ظاهريًا بتحدي سلطة الأنظمة السياسية. فالحرية والعدالة والكرامة قيم وأفكار تعبر عن رؤية للذات والحياة والمجتمع والأفراد. حتى وإن لم يكن جميع المشاركين في احتجاجات يناير على وعي بهذه التغيرات أو اتفاق على معنى تلك القيم لا يتصور تفسير ما جرى دون إلقاء الضوء على هذا الجانب وهو في رأيي الجانب الأهم لأنه الأعمق تأثيرًا والأبقى أثرًا لا لشيء سوى أنه الأساس الفكري لكل ما جرى وسوف يجري. إسقاط النظام السياسي في مجتمع ما لا يعد فقط حدثًا سياسيًا بل يعني بالضرورة سقوط منظومة القيم والأفكار التي يستند إليها هذا النظام ناهيك عن نخبته الثقافية وركائزه الفكرية وأعمدته الإعلامية. عملية السقوط هذه لا تتم بين ليلة وضحاها ولا يمكن حتى التعويل على اكتمالها بما يفسح المجال لظهور نخب جديدة في ظل غياب القدرة على صياغة بديل فكري قادر على ملء الفراغ الذي نتج عن سقوط النظام القديم. إن غياب بديل سياسي يمتلك القدرة الحركية والتواجد الميداني وفي نفس الوقت يتمتع بالوعي الفكري اللازم للتعامل مع ضرورات الانتقال يعتبر من أخطر تحديات التحول الديمقراطي في بلد كبير المساحة مليء بالتناقضات مثل مصر وهو – إلى جانب أمور أخرى – أحد أسباب تعثر تحقيق أهداف احتجاجات يناير إلى الآن. إلى هنا يمكن القول إن عدم تحقق الأهداف التي اندلعت من أجلها احتجاجات يناير وما تبعها مما جرى في 30 يونيو 2013 بصرف النظر عن أي اختلافات ظاهرية قد تبدو للعيان ينذر بتجدد هذه الاحتجاجات مرة أخرى ليس بالضرورة في شكل تحرك جماهيري ضخم يملأ الشوارع ويتحدى الأجهزة ويسقط الأنظمة، بل في صورة انعدام الاستقرار السياسي والاجتماعي حتى مع وجود قبضة أمنية تمسك بمقاليد الأمور كإحاطة السوار بالمعصم. إن الترجمة المنطقية لما بدأ في يناير 2011 واشتد في يونيو 2013 ولا تزال إرهاصاته تعبر عن نفسها باستحياء حتى لحظة كتابة هذه السطور في مايو 2017 هو إقامة مجتمع حداثي حر يحدد أولويات الدولة، مجتمع يقود مؤسسات الدولة ويحاسب قادتها وينتخب ممثليها، مجتمع يحرك النظام السياسي ويوجه بوصلته لا تأسيس دولة تحجم المجتمع وتقيد حركته وتقمع إبداعه وتحاصر تعبيره. وعليه، كما أن المادة لا تفنى ولا تستحدث من عدم، فإن سقف مطالب البشر في الترقي وطموحهم في العيش الكريم وامتلاك ناصية أمورهم ما أن ينطلق محلقًا ويعلو لا يعود في الإمكان تكبيله أو تقييده أو تحييده أو دفعه للاختفاء والتلاشي مهما زاد الضغط أو اشتد القمع أو طغى العسف. وبالتالي فإنه طالما استمرت الظروف المهيئة لقيام الاحتجاجات مرة أخرى واستمر عدم تحقق أهدافها فستستمر حالة عدم الاستقرار في الحاضر وانعدام اليقين في المستقبل بغض النظر عما يجري من تلميع للأنظمة أو تجميل للأوضاع أو إقامة للمؤتمرات أو تهوين للتحديات أو تهويل للمنجزات.
See this content immediately after install