Zamen | زامن
الموصل ونوابها
بالرغم من حجم الكارثة الإنسانية التي نزلت على الموصل وأهلها، إلا أن أي عضو من أعضاء مجلس النواب لم يتحرك ضميره قيد شعرة لدعوة المجلس إلى عقد جلسة تخصص لوضع خطة طوارىء للتعامل مع هذه المِحنة، خاصة في جانبها الإنساني، وكأن الجميع سعيد بما يجري من قتل ودمار، وفي مقدمتهم نواب نينوى. أو أن القضية ليست من اختصاصهم. وشتان مابين موقفهم المخزي هذا وبين موقف النائبة الإيزيدية البطلة فيان دخيل، حينما وقفت تحت قبة البرلمان وأوقفت البشرية معها، وصرخت باسم كل النساء والرجال والأطفال الإيزيديدية دفاعًا عنهم وعن كرامتهم الجريحة، وعن حقهم في الحياة، حتى أن صدى صرختها تردد في جميع أرجاء الكرة الأرضية، وبعد أن كان العالم لا يعرف من هم الإيزيديون باتت مأساتهم في أولويات المجتمع الدولي. المؤلم والمضحك في آن واحد، عندما ترى الموصل اليوم، وهي تمر بأقسى لحظاتها، بينما لم يزل بعض نوابها يتراشقون فيما بينهم على صفحات فيسبوك، وكل واحد منهم يسعى لأن يبدو بطلًا مغوارًا أمام ميليشاته العشائرية التي جندها لعمل اللايكات لخطاباته الثورية. منذ العام 2003 وهذه المدينة ابتليت بحفنة من الطارئين على العمل السياسي، قفزوا فجأة على سطح الأحداث، وفي كل الأحوال كانوا ثمرة مشهد سياسي هزيل كرسته قوة الاحتلال الأمريكي ممثلة بالأحزاب الإسلاموية الطائفية. وقبل هذا التاريخ لم يُعرف لأي واحد منهم ما يشير إلى أنه كان على صلة بالعمل السياسي، لا من قريب ولا من بعيد، ربما كانوا موظفين في الدولة يؤدون واجبهم الوظيفي فقط لا أكثر، إلا أنهم لم ينشغلوا بالهم العام، وكثير منهم كانوا يعيشون على هامش الحياة، هذا لأنهم لا يحملون أي مؤهلات تمكنهم من أن يكونوا على سبيل المثال تجارًا أو رجال أعمال أو مثقفين، وليس رجال سياسة. سيكون من المنطقي جدًا أن من مصلحة القوى السياسية الكبيرة داخل البرلمان التي تتحكم بإدارة دفة الأحداث في العراق قطع الطريق أمام ظهور شخصيات تملك من المؤهلات الذاتية؛ ما يجعلها قادرة على توجيه الاهتمام تجاه المدن التي يمثلونها في البرلمان في مقابل فتح الطريق أمام شخصيات هزيلة لا تملك في أجندتها أي مشروع وطني، وليس لديها من اهتمام، سوى استثمار وجودها في البرلمان من أجل تحقيق مصالحها الشخصية أو نواياها الفئوية الضيقة. لقد خسرت هذه المدينة طيلة الأعوام الماضية الشيء الكثير من قدراتها وإمكاناتها وتأثيرها، خاصة وأنها تمتلك مخزونًا هائلًا من الطاقات البشرية العلمية، هذا إضافة إلى قدراتها الاقتصادية. إذا لم تتغير صورة المشهد السياسي في المدينة بعد تحريرها من سلطة داعش وبقيت أسيرة العناصر والقوى التي كانت جزء أساسيًا من محنتها الحالية، وبقي أهلها ونخبها المثقفة والأكاديمية يمارسون دورهم بشكل سلبي، وكأن مستقبل مدينتهم لا يعنيهم عند ذاك يتوجب عليهم أن يدركوا بأن الأيام القادمة لن تشهد هبوط ملائكة السلام والرحمة عليهم من السماء. على نواب نينوى أن يكونوا رجالًا ولو للحظة واحدة، ويتناسوا خلافاتهم التافهة، وصراعاتهم التي لاتليق إلاّ بالاطفال الصغار الزعاطيط، وأن يتصرفوا بما تمليه عليهم مسؤوليتهم الأخلاقية تجاه مدينتهم قبل أن يتصرفوا باعتبارهم نوابا للشعب. وألف تحية لأبناء الوسط والجنوب على ماقدموه من تضحيات لأجل خلاصها من سلطة داعش.
See this content immediately after install