Zamen | زامن
المفاهيم التنظيمية في الحركة الإسلامية.. بين التأصيل والتأويل
إن ما حدث للحركة الإسلامية في المنطقة العربية من تأخر في الركب المعرفي واضمحلال الوعي الثقافي، الأمر الذي أدى إلى ما نراه الآن من تشرذم وتنازع وغياب الرؤى والإستراتيجية، هو نتيجة مفاهيم مغلوطة، وقناعات خاطئة. واحدة من أهم القضايا المُثيرة والمُثارة داخل الحركات الإسلامية، والتي شغلت تفكير الكثير من أبنائها، لا سيما وأنها أحد أسباب ما أصاب الحركة الإسلامية من إخفاقات وتنازع، قضية طلب الإمارة.تظل قضية طلب الإمارة معقدة ومتشابكة داخل أروقة الفكر الإسلامي المعاصر، وفي القلب منه الإخوان المسلمون، فمن ثوابت الحركة الإسلامية أن طلب الإمارة أمرًا مرفوضًا ومذمومًا؛ بل قد يُفضي الأمر إلى الفصل والتعذير لمن تجرأ على طلب القيادة، وقد يُساء به الظن عندما يكثر الحديث عن تلك القضية. فكان هذا الأمر بمثابة فتنة نائمة، ويا ويل من أيقظها.كان بالأحرى على قادة الحركة الإسلامية بعد ثورات الربيع العربي إعادة النظر في تلك المفاهيم والقناعات، وجعلها أكثر حيوية وملائمة للمتغيرات، ومستجدات الواقع. إلا أن طغيان الإحساس الأبوي السلطوي لدى الكثير من قيادتها أبى القبول بهذه المتغيرات، وفضّل أن يكون بمعزل عن الواقع.والحقيقة أن إشكالية طلب الإمارة قتلها الباحثون دراسةً وتأصيلًا، إلا أن الواقع الآن بحاجة شديدة لتلك الدراسات استنباطًا منها ما يفيد الواقع، ومحاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه من تراث وفكر الحركة الإسلامية.ومقصد المقال هنا هو محاولة إزالة ما ترسب على هذا المفهوم من سوء تأويل؛ بل ووضعه في مكانه الصحيح تأصيلًا، لا تأويلًا؛ ولذا كانت الحاجة لاستخراج أقوال علماء السياسة الشرعية من بطون الكتب ودهاليز العلوم في غاية الأهمية، فمن المتفق عليه عند العلماء على أن طلب الإمارة أمر محمود، لا سيما إذا كانت الأمة في حاجة إلى قائد يرى في نفسه القدرة والأهلية لهذه المسؤولية.وأبدأ بقولة شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه «السياسة الشرعية» «ولاية أمر الناس من أعظم وجبات الدين، بل لا قيام للدين إلا بها»، وقال في كتاب «الحسبة» «فالواجب اتخاذ الإمارة دينًا وقربة يُتقرب بها إلى الله تعالى، فإن التقرب إلى الله فيها بطاعته وطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم من أعظم القربات».وأعتقد أن هذا هو سبب تنافس الصحابة في طلب الإمارة، كما حدث في السقيفة وحادثة الشورى التي جعلها عمر رضي الله عنه في ستة من الصحابة، فتنافسوا فيها لما علموه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من فضل وشرف «سبعة يُظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل…» رواه البخاري.وعرج ابن كثير على تلك الحادثة، فقال: «والمقصود أن القوم خلصوا من الناس يشاورون في أمرهم فكثُر القول وعلت الأصوات، وقال أبو طلحة: إني كنت أظن أن تدافعوها ولم أكن أظن أن تنافسوها» البداية والنهاية.وأكد الموردي في كتابه «الأحكام السلطانية» «وليس طلب الإمارة مكروهًا فقد تنازع فيها أهل الشورى فما رُد عنها طالب ولا مُنع منها راغب». وهذا إن دل فإنما يدل على مدى الوعي السياسي للصحابة، وفهمهم لطبيعة هذا الدين، إذ كانوا يرون أن ممارسة العمل السياسي هو في مُجملة طاعة لله، وقربة له.فكان التنافس تنافسًا في أبواب الخير والإصلاح، ولم ير الصحابة في ذلك ما ينافي ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في النهي عن طلب الإمارة «يا أبا ذر إنك ضعيف وإنها أمانة وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها مسلم». وقوله صلى الله عليه وسلم لعبد الرحمن ابن سمرة: «يا عبد الرحمن لا تسأل الإمارة» مسلم. إذ وضعوا هذه الأحاديث في مكانها الصحيح، وأدركوا أن المحظور شرعًا هو طلب الإمارة ذاتها لما فيها من العلو والجاه والشهرة، أو طلبها مع عدم القيام بحقها.وها هو نبي الله يوسف طلب الإمارة من فرعون مصر وهو كافر بقصد الإصلاح، وإقامة القسط بين الناس «اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم»، فلا يشك عاقل أن يوسف عليه السلام لم يطلب الإمارة لجاه أو مال أو سلطان، وإنما لعلمه أنه أفضل من يتولى هذه المسؤولية، ويعلم قدراته جيدًا، ويعلم مدى حاجة البلاد إليه ولذا قال: «إني حفيظ عليم» فلم يطلب الإمارة فقط؛ بل أثنى على نفسه لبيان قدراته وعلمه.كل هذا الكلام وهذه الاستشهادات إنما موجهة لأبناء الحركة الإسلامية، أن تقدموا الصفوف وارفعوا الراية واتركوا الدنيا وراء ظهوركم وأخلصوا نياتكم، فها هو ميدان العمل يشتاق إليكم، وتلك أهات المُعذبين والمضطهدين تناديكم.ويا كل من اشتكى كرسي القيادة من طول جلوسه عليه، ويا كل من أرغم أنوفنا في التراب مهانة وإذلال، ويا كل من لوى عنق النصوص ليؤكد على تحريم وتقبيح طالب الإمارة، إلى كل هؤلاء، اتركوا لغيركم فرصة واحدة علها تكون المُنجية.
See this content immediately after install