Zamen | زامن
ما بين العلم والخرافة
― سلام عليكم، أستاذ (مصطفى الكتاتني)؟ ― نعم، مع سيادتكم. ― أنا دكتور (ريهام)، من مصر، 30 سنة، لم أتزوج بعد. وأريد منك أن تفك لي الأعمال التي هي سبب العزوبية بالطبع! ― إممم دكتور؟ أها.. إمم.. بسيطة جدًا.. هل ستأتين للسعودية؟ ― بالتأكيد، ولو في الصين. بالتأكيد سمعنا عن المريض (عم نو) الذي ذهب إلی الشيخ (كذا) كي يُعالج علاجًا روحانيًا، وعن الدكتور (عبد اللطيف) الشغوف الذي يهتم جدًا بالعلم ولكن – للأسف – تركزت قراءاته «العلمية» على البلورات الزجاجية والطلاسم والاتصال بالموتى! وسمعنا أيضًا عن المريض المصري الذي – والحمد لله – عالج سرطان القَولون بالأعشاب في الصين، دعنا من أنه مرِضَ بعدها بانسدادٍ معدي وتسريب والتهاب بريتوني ومات، المهم أنه عالج السرطان! بدأت الحكاية عندما حاول أجدادنا القدماء تفسير الظواهر الغريبة بناءً علی قدر المعرفة الضئيل آنذاك. فأصبحت الخرافة هي الحل الأمثل لأي شيء يجهلونه. ما هذا أقلتُ (خرافة)؟ هل تعرف أولًا ماذا نعني بالخرافة ها هنا؟ الخرافة: هي الاعتقاد القائم علی مجرد تخيلات «وهمية» دون وجود سبب عقلي منطقي مبني علی العلم يفسرها. بعض الناس (كالسياسيين، والدجالين، وكبار الدولة، والإعلام) يستخدمون العاطفة مدخلًا للناس وأداة حشد؛ كي يصدقوهم وكما نعرف «إذا دخلت العاطفة من الباب، هرب العقل من الشباك». وليست العاطفة فقط بل لذلك عوامل وأسباب كثر، منها: 1. عدم رغبة الناس في التعب المعرفي. فقد يتبنى بعض الناس – أو كثير منهم – مقولة «وهمٌ مريح أفضل من حقائق مرهقة». 2. رغبة الناس في التصديق، فيا لمتعة الجهل! 3. رغبة البشر المستمرة في إلقاء مشاكلهم وأعبائهم على کواهل الآخرين (كالدجالين مثلًا). 4. وكذلك التربية، وتعلُّق الطفل الشديد بأبويه وتصديق كل ما يقولانه. لا تقتصر الخرافة علی مكان أو دولة محددة، فالجهل في كل مكانٍ، ولكن يمكن أن ننسب ذلك أكثر للمجتمعات المنغلقة التي لا تقرأ ولا تبحث، والتي لا بد أن تضفي المسحة الدينية علی كل شيء يواجهها، وتزداد الخرافة أكثر مع ازدياد ظروف الحياة الصعبة، وانتشار الجهل، والعجز عن مواجهة المشكلات، لا تخافي لن أقول علی اسمك يا (مصر). تنقسم الناس في تصديق الخرافة إلی: 1. ساذج: يصدق كل ما يسمع، بل ويؤمن به. 2. إنسان لا يصدق، ولكنه لا يستطيع الخروج عن القطيع، وبالتالي يتظاهر بالتصديق. 3.آخرهم أسوأهم، فهو الذي لا يصدق، ولكنه يروج للموضوع وينشره بشدة وكأنه حقيقي (كالسحرة والدجالين). وقد ضرب (كارل ساجان) مثلًا وهميًا في كتابه (عالم تسكنه الشياطين) يوضح مفهوم الخرافة وكيفية تعامل العلم مع تلك الادعاءات: فلنقل إني ادعيت أن (جراچي) يحوي تنينًا، ساعتها ستتشكك في كلامي وتصحبني (للجراچ) للتأكد، سنفتح الجراج فنجده فارغًا، سأتعلل أنا بأنه تنين خفي! فتفكر أنت ثم تقترح أن نرش الأرض بالدقيق لالتقاط آثار أقدامه، فأقول إنه تنين طائر! فتقترح أن نركب كاميرات حرارية لالتقاط الموجات تحت الحمراء الصادرة عنه، فأتعلل بأنه بارد وكذلك ناره فلا يشع حرارة! لكنك لا تيأس فتقترح أن نرش الجو بالدهان لجعله مرئيًّا، فأنبهك أنه كيان غير مادي لا يلتصق عليه شيء! ستستمر أنت في اقتراح الاختبارات وسأستمر أنا في التملص منها. والآن، ما الفارق بين تنين لا يرى ولا يسمع ولا يتحرك على الأرض ولا يصدر حرارة وليس له كيان مادي وبين تنين غير موجود؟! لكن من باب التيسير ستخبرني بأن من حقي أن أؤمن بوجود التنين لكن ليس من حقي أن أعترض على عدم إيمان أحد به. يجدر بي حينها أن أتفق معك. الخرافة آفة، من الصعب إبادتها، فالخرافات جزء من الطبيعة، وبما أن الطبيعة لا تتغير، فالخرافة ستظل جزءًا من ثقافتنا شئنا أم أبينا، على الرغم من تقدم الحضارات. الملفت أن هذه الموروثات الخرافية قد تتشابه من بلد لآخر؛ بسبب تشابك الثقافات وتداخل الحضارات، وعلى الرغم من إنكارنا لوجودها، فإنها ثابتة ومترسخة في حياتنا لدرجة أننا عادةً لا نلاحظ أن بعضًا من أكثر سلوكياتنا وتصرفاتنا شيوعًا هي جزء من خرافات نعتبرها بائدة. من فضلك يا صديقي، من الآن لا تصادق إنسانًا یخبرك بأن الشبشب المقلوب يجلب الفقر، وأن كسر المرآة يجلب الحظ التعس، أو أن الرقم (13) نذير شؤم. ولا تسمع لمن يأمرك بأن تمسك الخشب حتى لا تصاب بالحسد. دورنا الآن أن نقلل من تلك الخرافات، وبالطبع نطمح – هكذا – لإبادتها، ولن يتأتی ذلك إلا بالعلم والتفكير النقدي، من فضلك واحدة واحدة ما هو العلم وما هو التفكير النقدي؟ سعيد جدًا بهذا السؤال، للعلم تعريفان، الأول – وهو الذي علموه لنا في المدارس: أنه العلوم الدقيقة كالفيزياء والكيمياء والرياضيات، والثاني – والذي أقصده ها هنا: أنه منهجية التفكير ودراسة المسائل التي تحصد نتائج واقعية يمكن التحقق منها بالتحليل النقدي المنطقي (أتتذكر؟). إذا كنت عالمًا في الكيمياء ولا تعرف منهجية التفكير النقدي، فأنت لم تتعلم شيئًا، نعم؛ فلا تظن أن الخرافات قائمة فقط علی العامة والجهلاء والفقراء، بل إنها تسربت – أو بدأت أصلًا – من عند العلماء والمفكرين، وللأسف هناك الكثيرون معي في الكلية (كلية الطب) لا يعرفون شيئًا عن التفكير النقدي، لا أعيبكم – وإن كان عليكم أن تقرؤوا قليلًا – بل أعيب نظام التعليم الذي أتاح لكم أن تنضجوا بدون العلم، نعم فهذا هو العلم! يعبر د. أحمد خالد توفيق في كتابه (شربة الحاج داوود) عن الفكرة قائلًا: «العقلية التي تصدق أي اكتشاف، هي عقلية غير قادرة على التوصل لأي اكتشاف!». أری بنظرتي أن غياب النظرية النقدية كان بسبب الغيرة المهنية في المقام الأول، كيف؟ العلماء ينظرون للعلم بأنه بناء ضخم لا يمكن لأي شخص أن يتسلقه؛ ولذلك يمانعون أن يصل البسطاء له، لماذا؟ ذلك لأنهم يعتقدون – وهذا صحيح إلى حدٍ ما – أن أي شخص سيصل ويفكر بطريقة عقلانية متزنة سيسمي نفسه عالمًا وبالتالي سيخسر العلم هيبته والعالِم ذاته ومكانته. لطالما عوَّدتكم في مقالاتي أن تنتهي بحلٍ أو تصرف ما، والحل بسيط جدًا هاهنا رغم صعوبة المشكلة وانتشارها. دعني أقسِّم لك الحل إلى جانبين؛ أولًا: ماذا تفعل الدولة أو وزارة التعليم إن حق القول؟ ثانيًا: ماذا تفعل أنت؟ وأما وزارة التعليم فيجب عليها تغيير مفهوم العلم لدی الطلاب، وأن تزرع جانب التفكير النقدي لديهم؛ كي يكتسبوا طريقة ومنهجًا في التفكير، بدلًا من الأسلوب المعاصر في التعليم الذي يهدف – فقط – إلى تكديس كم هائل من المعلومات في عقلية الطالب، والتي لا تتحمل بالطبع! أما عن دورك أنت فيتمثل في خصائص التفكير العلمي، أعرف أنك قد مللتَ مني الآن، ولكننا قد شارفنا على الانتهاء، من فضلك تحمَّل، كلها دقائق وتتغير تمامًا: إذن ما هي خصائص التفكير العلمي؟ يعتبر (الشك) هو أول خصائص التفكير العلمي والأهم من الشك هو آلية الشك: فكلما فشلت الاختبارات في إثبات خطأ فرضية ما، كانت حجتها أقوى، ولا تشك فقط فيما تسمع؛ فالخطوة الثانية أن (تشك في صحة معلوماتك)، ثم تتجه إلى (طرح الحلول المعقولة والمألوفة)، وأخيرًا تأتي المرحلة الأهم وهي (التأكد). سأطرح عليك مثالًا؛ كي أبسِّط لك الموضوع: تخيل أنك جالس ببيتكم في الدور السفلي تشاهد التلفاز، وخُیل إليك أن سمعت صوتًا بالأعلی، فظننت – هاها – أنه (عفريت). ماذا تفعل؟ ظنك بأنه (عفريت) هي (مرحلة الشك)، تقول: يمكن أن يكون شيئًا آخر (مرحلة الشك في صحة معلوماتك)، ثم تفکر أنه يمكن أن يكون أخوك قد استيقظ، أو لصًا يسرق أو صوت التلفاز بالأعلى (مرحلة تقديم الحلول العقلانية)، ثم تذهب بالأعلی لتتأكد (مرحلة التأكد). إن لم تفعل ذلك فلتذهب إلى الجحيم! ها قد وصلنا، هلِّل، ولكن أولًا دعني أخبرك بأن كل يومٍ يتجه أحدنا للخرافة بشكلٍ أو بآخر سواء بالفعل أو حتى بالتفكير، فمن الصعب أن تندثر الخرافات والخزعبلات بسهولة في أي عصر طالما أن الخوف وغياب الأمان يشوبانه. ولكن على كلٍ، لا يجب أن ندع مثل هذه الخرافات تسيطر على عقولنا وتصرفاتنا، وهذا سبب كتابة المقال بجانب أن أضع لك المنهج أو الطريق العلمي النقدي، وما عليك فقط هو أن تطبقه علی كل شيء تراه، تسمعه، وكل خبر ينتشر، وكل حاكم يستغل جهل الناس!
See this content immediately after install