Zamen | زامن
إجراء عملية جراحية في غزّة من قاعة مؤتمرات مستشفى في بيروت
لو أغمضت عيناي، لتخيلت نفسي بسهولة واقفًا في غرفة العمليات في غزة. ولسمعت صوت الدكتور أبو ستة يتناقش حول المكان الأفضل لبدء عملية الشق مع الجراحين الآخرين. من وقت لآخر، يغطي الصوت الصادر عن احتكاك أدوات الجراحة ببعضها البعض على صوت خفقان القلب المطمئن على جهاز مراقبة معدل نبضات القلب. ولكنني لست في غزة، كنت في بيروت، جالسًا في قاعة مؤتمرات لا تضاهي ذلك المكان حماسةً. وإلى جانبي كان الدكتور أبو ستة جالسًا يراقب شاشة حاسوبه المحمول بانتباه. كنت موجودًا هناك لحضور عرض تجريبي لمنصة “بروكسيمي” Proximie، وهي منصة برمجيات عند الطلب أو “ساس” SaaS تم إطلاقها مؤخرًا كمنصة جراحة عن بُعد تستعين بتكنولوجيا الواقع المعزز. تمزج ميزة منصة “بروكسيمي” الرئيسية بين تقنية الاجتماعات عن بُعد التقليدية بتقنية الواقع المعزز، وهذا ما ينتج عنه قناة تواصل تفاعلي في الزمن الحقيقي تتيح للأطباء إمكانية الإشراف على زملائهم الأقل خبرة طيلة مدة العمليات الجراحية. خلال هذا العرض التجريبي، من قاعة المؤتمرات في المركز الطبي في الجامعة الأميركية في بيروت، أشرف الدكتور غسان أبو ستة، رئيس قسم الجراحة التجميلية والترميمية في المستشفى، على عملية ترميم تتم في غزة ليد شخص تعرّض لشظايا انفجار. من مقعده استطاع أبو ستة افتراضيًا تحديد نقطة انطلاق العملية ومسارها بدقة على ذراع المريض بواسطة طرف قلمه وهو يشاهدها على شاشة الكمبيوتر الخاص به. تأسست شركة “بروكسيمي” على يد نادين حشاش حرم، الجرّاحة اللبنانية البالغة من العمر 34 عامًا العاملة في المملكة المتحدة والمتخصصة في الجراحة الترميمية، وطلال علي أحمد، مهندس الاتصالات الأربعيني المتواجد في مدينة بوسطن. فرصة لا تقدر بثمن أفاد تقرير نشرته لجنة لانست المتخصصة بالجراحة العالمية Lancet Commission on Global Surgery سنة 2015، أن ما يقارب الخمس مليارات شخص غير قادرين على الحصول على عمليات جراحية آمنة وأن 313 مليون عملية جراحية تجرى كل سنة حول العالم، منها 6 في المئة فقط تجرى في البلدان الأشد فقرًا حيث يعيش أكثر من ثلث سكان العالم. إضافة إلى ذلك، أشار التقرير أن 1.27 مليون موفّر إضافي للعمليات الجراحية سيحتاج للتدريب بحلول سنة 2030 من أجل التعامل مع هذه المشكلة. لهذا السبب، لا بد من توسيع رقعة انتشار الجرّاحين المدربين ونقل خبراتهم إلى المناطق المحرومة لأن ذلك يشكّل فرصة لا تقدر بثمن لتحسين الكفاءات الجراحيّة المحليّة في هذه المناطق. في هذا الصدد، قالت لي حشاش-حرم شارحةً: “تقوم الفكرة فعليًا على إنشاء أداة شاملة متكاملة تتيح للأطباء إمكانية توجيه ومساعدة ودعم وتدريب الجرّاحين عن بُعد بواسطة الواقع المعزز”. تستهدف منصة “بروكسيمي” المؤسسات المهنية والتربوية الطبية على حدٍ سواء وهي قادرة على تعديل نفسها لتتوافق وتلبي الحاجات الخاصة لكل مؤسسة. تجدر الإشارة هنا إلى أنه تم استخدامها حتى الآن في أكثر من 20 عملية. وظيفة الواقع المعزز من أجل إنشاء بيئة معززة، تقوم “بروكسيمي” بكل بساطة ببث تسجيلي فيديو على شاشة واحدة بشكلٍ متزامن وكأنهما مشهد واحد. في هذه الحالة مثلاً أحد تلك الفيديوهات آتٍ من غزة والآخر يصوّر بواسطة آلة تصوير واحدة مسلطة فوق حاسوب الدكتور أبو ستة المحمول. تصوّر آلة التصوير الأولى العملية، أما الثانية فموجهة نحو الأسفل إلى سطحٍ من لون واحد يفضّل أن يكون داكنًا. يتوجب على مستخدميها إذًا تعديل مستوى الشفافية يدويًا ليصبح متوازنًا بالنسبة لمصدريّ التصوير بحيث يتم دمج التسجيلين في مشهد واضح للطرفين. نتيجة لذلك، سينقل أي شيء يمرّ ضمن نطاق عدسة آلة تصوير الدكتور أبو ستة فوق بث فيديو العملية الجراحية. في هذه الحالة استخدم أبو ستة قلم حبر زاهي اللون لم ينزع غطاءه عنه فيمكن تمييزه بسهولة عن العناصر الأخرى فيظهر بوضوح في المشهد المصوّر المدموج. شددت حشاش – حرم على كون منصة بروكسيمي مطابقة لكافة أنواع الأجهزة. وقالت: “ميزة “بروكسيمي” تكمن في إمكانية وصلها بأي جهاز لتشغيلها”. تتعاون منصة “بروكسيمي” مع شركات أخرى لصنع الأجهزة اللازمة إلّا أنها تعتمد حاليًا على نموذجين في غرف العمليات: عربة طبية متنقلة تحمل شاشة وآلة تصوير مثبّتة على ذراع دوّار ويمكن جرّها إلى غرف العمليات أو شاشة وآلة تصوير مثبتتين على منصات ثابتة. لاستخدام خدمة الجراحة عن بُعد هذه اليوم يتوجب على الأطباء حجز موعد مسبقًا. ولكن في النسخ المستقبلية لها، ستقدّم المنصة قاعدة بيانات بالجرّاحين مرتبين بحسب سنوات خبرتهم وهذا ما يسمح لزملائهم معرفة الجرّاح المتوفر لحظة بلحظة وطلب مساعدته. إلى جانب ميزة الجراحة عن بُعد مع الواقع المعزز، تقدّم منصة بروكسيمي نظام يحفظ السجلات الطبية للمرضى من ضمن خدماتها. فخلال العمليات الجراحية، يستطيع الأطباء التقاط صور تخزّن تلقائيًا في ملف المريض إلى جانب تسجيل الفيديو الخاص بكل عملية. هذه خدمة مفيدة بشكلٍ خاص للمرضى الذين يغيّرون الطبيب الذي يعاين حالتهم في المؤسسة ذاتها. علاوة على ذلك، تطوّر منصة “بروكسيمي” حاليًا واجهة تفاعل يستطيع الطلاب والمقيمون المبتدئون بواسطتها تسجيل دخولهم إلى المنصة لمشاهدة العمليات الجراحية أو طلب مساعدة أطباء يفوقونهم خبرة. لا بد من الإشارة هنا إلى أن هذه الميزة تذكرنا بمنصة “توتش سورجيري” Touch Surgery مستقبل “بروكسيمي” حتى هذه اللحظة تتضمن لائحة عملاء الشركة كلية لندن الجامعية University College London، وجامعة كاليفورنيا ريفرسايد University of California Riverside والجامعة الأميركية في بيروت وتُجري مفاوضات مع مؤسستين طبيتين إحداهما في لندن والأخرى في بوسطن إلى جانب شركة تجهيزات طبية. وتستمر منصة “بروكسيمي” في التطوّر وتسعى حاليًا لوضع نظام يرتب الصوّر فيمكّن الأطباء من تفحّص الصور مشاركة معلومات مرتبطة بها تلقائيًا مع مكتبة المؤسسة التي يعملون فيها. لنفترض مثلاً أن طبيبًا ما التقط صورة لحنكٍ مشقوق، سيتغرّف النظام عندها على المشكلة ويرسل إلى الطبيب معلومات كتعليمات مناسبة لمرحلة ما قبل العملية مثلاً. ومع استمرار تطوير عمل الشركة، ستصبح الفرصة سانحة أكثر من أي وقت مضى لسد الثغرة بين الجراحين العاملية في الدول النامية وأولئك العاملين في ظروف أكثر صعوبة وقساوة وهذا ما سيؤدي إلى نجاح عدد أكبر من العمليات الجراحية وبالتالي لشفاء عدد أكبر من المرضى.
See this content immediately after install