Zamen | زامن
المركزية في اتخاذ القرارات تساعد في التخلص من المنتجات السيئة
جون جوزيف ورونالد كلينغيبيل – هارفارد بزنس ريفيو:لن يتفاجأ أيّ شخص قام بزيارة أبراج شركة سامسونغ في سيول عاصمة كوريا الجنوبيّة حين يعرف أنّ الأسرة المالكة للشركة تدير دفّة القيادة بحكمة وسيطرة كاملة. فتلك الأبراج الثلاثة الأبرز ظهوراً في حيّ كانغنام وتتوزّع بها مكاتب الشركة قد بنيت من أجل متابعة الأنشطة العديدة فيها، كما أنّ الحضور الطاغي لها يعطي انطباعاً بالثقافة الهرميّة المتواجدة في الشركة. ففي الداخل ترى الإجراءات الأمنيّة بالغة الدقّة، وساعات العمل الطويلة، ولن يصعب عليك ملاحظة الاحترام والمكانة التي يحظى بها كبار المدراء في الشركة. وإلى جانب كلّ هذا لا يمكن لأحد أن يتجاهل أنّ هذه الشركة قد أصدرت مؤخراً قراراً يقضي بسحب وإيقاف إنتاج هاتف الغالاكسي نوت 7.إنّ إنهاء إيقاف منتج ما ليس بالأمر الهيّن. فالمهندسون والإداريّون يكدّون ويتعبون طيلة أشهر أو حتّى سنوات، وذلك كي يتوصّلوا لفكرة منتج جديد ويطوّروه ويطلقوه في السوق. كما أنّ الشركة تستثمر مصادر ضخمة في مجال الأبحاث والتسويق والتوزيع. ولا ريب في أنّ مشاهدة هذا المنتج يفشل فشلاً ذريعاً (كما حصل مع غالاكسي نوت 7) يضع الإدارة أمام أحد خيارين أحلاهما مرّ: العودة لتحسين جودة المنتج والدعم المتوفّر له أو إنهاء إنتاجه تماماً.في دراسة أجريناها على قطاع صناعة الهواتف استمرّت خمس سنوات وجدنا أنّ معظم الشركات تسحب منتجاتها حينت تكتشف أنّها تمثّل كارثة حقيقيّة كما حدث مع النوت 7. ولكنّ الصعوبة والحيرة تكمن في سحب المنتجات التي لم تحقق النجاح المتوقّع وشكّلت خيبة أمل على مستوى المبيعات-أي تلك المنتجات ذات الأداء الضعيف ولكن لم تنحدر إلى مستوىً تكون فيه حالة قطعيّة لضرورة سحبها من السوق. في حالات كهذه ينتظر المدراء قليلاً على أمل أن تتطوّر الأمور بعد حين. والنتيجة الناجمة في معظم الأحيان هي التفشّي المربك لعروضٍ لا جدوى من ورائها.يقترح ذلك البحث أنّه وبالنّظر إلى التحدّيات المرتبطة بالتخلّي عن منتجات ضعيفة، فإنّ شركات مثل سامسونغ تضع قرارات هامّة متعلّقة بالمنتج- كقرار سحبها من السوق مثلاً- في أيدي كبار المدراء فيها. ومع أنّ جعل القرار مركزيّاً بهذا الشكل سيشكّل عبئاً أكبر على المدراء وقد يتطفّل على حريّة الابتكار لدى المصممين، إلا أنّ لهذا الأمر إيجابيّة لا يمكن إنكارها. فمركزيّة القرار هنا ستعجّل في اتخاذ الإجراء اللازم لوقف المنتج. كما يرى البحث الذي أجريناه أنّ النظم الأكثر مركزيّة من غيرها في اتخاذ القرار أكثر جرأة على سحب المنتجات ذات الأداء الضعيف من الأسواق.إنّ جعل القرارات المتعلقة بإيقاف منتج ما تحقق ما يلي: 1) تركّز الاهتمام بالقضيّة من جميع جوانبها، 2) تسيطر على الآثار المتتابعة المترتّبة على قرار وقف إنتاج المنتج على بيئة الشركة، 3) تفادي الخلافات والحدّ من التأخير بسبب السياسات الداخلية. وبناء على ذلك فإنّ الشركات ذات القرار المركزيّ تتخلص من المنتجات التي تتعرض للفشل بسرعة أ كبر من غيرها من الشركات بمقدار الضعفين تقريباً. وهذه النتائج مهمّة بشكل خاصّ لتلك الشركات التي فيها تشكيلة كبيرة من المنتجات وتتعامل بشكل متواصل مع التغير التقنيّ ودورات الحياة القصيرة للمنتجات والمستويات المرتفعة من تقادم المنتج.تعرّف إلى الصورة الكبيرة إنّ الهيكليّة المركزيّة في الإدارة تسرّع من عملية وقف إنتاج المنتج لأنّ عمليّة تجميع المعلومات بخصوص المنتج بأكمله تتمّ في المستوى الأعلى من الإدارة. كان معدّل عدد المنتجات التي تطرحها الشركات التي أجرينا عليها الدراسة، والتي تضم أهمّ وأبرز شركات تصنيع الهواتف في العالم، 24 منتجاً في وقت واحد. وعند النظر في عدد جميع الموديلات في مختلف المناطق فإن تشكيلة المنتجات قد تكون واسعة جدّاً.ومن الطبيعيّ أن لا يكون للمدراء في المستويات الأدنى والمسؤولين عن إدارة منتَج أو اثنين رؤية واضحة وشاملة لتشكيلة المنتجات بأكملها. فهؤلاء المدراء يركّزون جلّ اهتمامهم على مجموعة محدودة من المنتجات المسؤولين عنها. أمّا صنّاع القرار في المستويات العليا من الشركة فلهم قدرة أكبر على تقدير مقدار التميّز أو الضعف في منتج ما مقارنة مع منتجات أخرى. ولذلك فإنّ الشركات التي يكون القرار فيها غير مركزيّ قد تعهد بقرار إيقاف الإنتاج لمدير المنتج والذي قد يرى من وجهة نظره أنّ أداء المنتج مُرضٍ مع أنّه قد لا يكون كذلك بالضرورة. أمّا الشركات ذات القرار المركزيّ فهي أكثر إقداماً واستعداداً لاتخاذ قرارٍ بهذا الحجم.كما أنّ الفرق بين المسؤولية والسلطة الموكلة لمدير المنتج وتلك التي يتمتع بها المدير في المستويات العليا من الإدارة يترتّب عليها فرق في كيفيّة علاج المشاكل المتعلّقة بالأداء. فالأشخاص في أدنى الهرم الإداري سيكونون أقل رغبة في التخلّي عن أحد منتجاتهم أو تقديم موارد زائدة لفريق يعمل على منتج آخر بعد توقّف منتجهم. فالمدير في هذه الحالة سيكون راغباً في الحفاظ على المنتج والقيام بما يلزم من تعديلات وترويج ودعاية. أمّا الأشخاص في أعلى الهرم الإداري فلديهم سلطة أكبر في توجيه الموارد المتوفّرة في الشركة، ولديهم استعداد أكبر لوقف الدعم عن المنتجات التي تعرضت للفشل وتحويل الموارد المخصصة لها لمنتجات أخرى ناجحة.فحين تمّ تعيين سانجا جيها مديراً لوحدة الهواتف المحمولة في شركة موتورولا عام 2008 فإنّه قام على الفور بالسيطرة على تشكيلة المنتجات في الشركة، وأوقف بشكل نهائيّ خطّ إنتاج نظام التشغيل سيمبيان (Symbian) وصار يوجّه تركيز الشركة بشكل أكبر على منتجات أقلّ وللعمل على منصّة أندرويد.إنّ وقف منتج ما كهاتف محمول يتطلب مهمّة معقّدة يشترك فيها نطاق بأكمله من الشركات ومزوّدي خدمة الاتصالات ومطوري التطبيقات وشركات البرمجيات ومزودي المحتوى والشركات المصنّعة. فإنهاء المنتج يتطلب تعديل عدد من الأنشطة المتداخلة التي يتوقّف أحدها على الآخر كخريطة الطريق الخاصة بالمنتج، وجداول تشغيل المصنع، وسلسلة التزويد. كما أنّ وجود العديد من العوامل الخارجيّة يخلق الحاجة للتواصل والتنسيق على المستوى الداخليّ عبر الأقسام ومدراء المنتج على اختلافهم، ومع الشركات المزوّدة بالخدمة والمورّدين.وتكمن الصعوبة هنا في اختيار الوقت الأنسب لوقف المنتج. فقد تقوم الشركة بترك المنتجات في السوق قبل فترة طويلة من بلوغ أوجها. ولكن في القطاعات التي تمتاز بدورة الحياة القصيرة للمنتج والتغيرات التقنية السريعة يعدّ التحرّك السريع عادةً الخيار الأفضل. وهذا من شأنه أن يضمن التخلّص من المنتجات “القديمة” من جهة، ويفسح المجال للمنتجات الجديدة من جهة أخرى، مما يتيح للمدراء تخصيص ما يلزم من الوقت والعناية بها.التغيّر السريع يتطلّب قرارات سريعة يجب على الموظفين في الشركات ذات الهيكلية غير المركزيّة في اتخاذ القرار أن يكونوا جزءاً من عملية تواصل مستمرّة كي يتمكّنوا من فهم العوامل التي تنعكس على قراراتهم وللتوصّل إلى آليّة مناسبة لتنسيق عمليّة إيقاف المنتج. وكثيراً ما تظهر الخلافات في هذه الظروف إلى السطح وتحدث بعض الأخطاء في عمليّة اتخاذ القرار.أمّا الهيكليّة العموديّة فهي أكثر كفاءة في التعامل مع المعلومات، وذلك لأنّ التركيز على التواصل العموديّ يحدّ من التدفق الكثيف للتواصل الجانبيّ، والتي لولا ذلك لكانت لازمة لتنسيق عمليّات إيقاف المنتج. وقد تعزّز المركزيّة من التنسيق وتفضي إلى إيقاف المنتج بشكل أسرع. وقد وجدنا في البحث الذي أجريناه أنّ معدّل نفاد منتج ما قد يتجاوز السنة قليلاً، أمّا بالنسبة لسامسونغ فيبلغ ثمانية أشهر.كما تبيّن جليّاً في البحث الذي أجريناه أنّ شركات تصنيع الهواتف ذات الإدارة غير المركزيّة قد منحت مدراء المنتجات حريّة أكبر في اتخاذ القرارات. فبينما يتيح هذا الأمر فرصة أكبر للحوار والقدرة على الإبداع، فإنّه قد ينشأ عنها بشكل غير مقصود مساحات متعدّدة منعزلة إداريّاً. ونظراً للصعوبة في التوصل لإجماع ولو في نقاش واحد فقط بين الموظفين الذين لديهم توجّهات سياسيّة أو مصالح مختلفة، فمن الواضح أنّ القرارات تستغرق وقتاً كبيراً للتوصّل إليها. لكنّ التنافس الداخلي المحتدم على المصادر قد يضمن استمرار النقاش بخصوص الإجراء الأفضل والأكثر جدوى.وجدير بالذكر أيضاً أنّ المركزيّة في اتخاذ القرارات في غنىً عن عمليات التواصل العديدة والمتواصلة بين مدراء المنتج والتي تكون ضرورية لاتخاذ قرار بشأن المنتجات التي يلزم وقف إنتاجها وتنسيق هذه العمليّة. ويجب على الشركات أن تمتلك القدرة على التعامل مع الآراء المختلفة في المؤسسات التي تتبنّي اللامركزيّة، وهذا يزيد من صعوبة وضع الأولويّات والاتفاق عليها. أمّا الشركات ذات الهيكلية المركزيّة مثل سامسونغ فهي أقدر على إعادة توجيه المصادر المتوفّرة داخلها من خلال التخلّي عن المنتجات غير الناجحة والتركيز أكثر على المنتجات الجديدة التي تعزّز فرص النموّ.لقد دارت الكثير من النقاشات حول الفكرة التي تقول بأنّ القادة المتفرّدين بآرائهم، مثل ستيف جوبز، هم أساس لتحقيق الابتكار. لكن الأمر الذي كان أقل وضوحاً وإن لم يكن أقلّ أهمّية فهو النجاح في الخروج من حالة الفشل في حال حصولها. وهنا يكمن دور المركزيّة كما يبيّن بحثنا. فنحن نوصي المدراء بأن يوحّدوا العمليّات الخاصّة بقرار سحب منتج ما من السوق إن كانوا مهتمّين فعلاً بالسرعة وامتلاك القدرة على التكيّف.جون جوزيف: أستاذ مساعد في مجال الإستراتيجية في جامعة كاليفورنيا إرفاين. تهتمّ أبحاثه بدراسة الأشكال التنظيمية الأفضل لتحقيق التطور التقني والتخطيط الإستراتيجي والنموّ.رونالد كلينغيبيل أستاذ الإستراتيجية في كلية فرانكفورت للتمويل والإدارة في ألمانيا. ويركّز في أبحاثه على الجوانب المتخصّصة في إدارة التقنية.
See this content immediately after install