Zamen | زامن
البلطجة المعرفية
ناقشنا في المقال السابق مفهوم اللانهاية، وكيف أنه ليس إلا واجهة سطحية لصراع عميق وقديم بين عقيدتين متصارعتين منذ بداية التاريخ المكتوب للعلم؛ العقيدة الأولى والتي سميناها تبسيطا الحدسية١، والعقيدة الثانية والتي سميناها المادية. وأن كل عقيدة من هاتين العقيدتين هي في الحقيقة مجموعة من الافتراضات الفلسفية لإجابة سؤالين:ما هو الوجود؟ مثلًا هل الوجود مادي فقط أم مادي وميتافيزيقي أيضًا؟وما هي المعرفة؟ مثلًا ماهي مصادر المعرفة التي لها شرعية، هل هي المعارف المنطقية والحسية أم الحدسية أيضًا؟وكما شرحنا في المقال السابق، فإن الإجابة التي نختارها لهذه الأسئلة هي المعيار للحكم على صحة أو خطأ أي رأي علمي. فكما وضح توماس كون في نظريته المشهورة عن كيفية تطور العلوم، فإن كل مجموعة من العلماء يشتركون في مجموعة من الأسس الفلسفية، وبالتالي يشكِّلون مجتمعًا علميًا منفصلًا، يتشارك في منتجاته العلمية، ويحافظون على التناسق بينهم وبين بعضهم. وهكذا تتشكل عدة من المجتمعات العلمية المتنافسة إلا أنه في وقت ما قد تسود إحداها إلى أن يثبت قصورها، فيبزغ نجم المجتمع العلمي المنافس. ولكل مجتمع أسسه التي يقيس صحته على أساسها.ولهذا يمكن لاثنين من العلماء من انتماءات فلسفية (أي عقائدية) مختلفة أن يتبع كل منهما أسلوبًا علميًا صحيحًا لدراسة نفس السؤال، ومعاينة نفس الأدلة، ويصلا إلى نتيجتين متناقضتين لبعضهما البعض. وكلاهما صحيح في حد ذاته؛ حيث إنه متسق مع افتراضاته التأسيسية. ولكنه غير صحيح حين تقيّمه بالمعايير الفلسفية للعالم الآخر. ولهذا لا يمكن أن نحكم على صحة أي من المنتجات المعرفية إلا بعد أن نختار أي عقيدة ننتمي إليها أولًا، وهو في معظم الأحوال اختيار فلسفي وعقائدي وليس اختيار موضوعي.على سبيل المثال: ناقشنا في مقال سابق أن التباين الكبير بين علماء الرياضيات في تعريف اللانهاية ليس إلا صورة لاختلافهم في فهم ماهية الأعداد نفسها؛ ما إذا كانت ميتافيزيقية، أم وصف مادي، أم فكرة متخيلة؟، وهو في الأصل صورة من صور الاختلاف العقائدي وليس العلمي لطبيعة الوجود.وعلى مر العصور، كان الصراع يظهر على السطح، كأنما هو سعي ذو دوافع موضوعية بحتة للوصول إلى الأصح. ولكن الحقيقة أن الدوافع العقائدية كانت كثيرًا ما تكون هي المحرك الحقيقي للصراع. ولكن اعتاد العلماء أن يخبئونها بمهارة لكي يحافظوا على السمت الموضوعي لمنتجاتهم العلمية. وقليلون من كانوا يمتلكون الشجاعة للتصريح بكيف تؤسس تحيزاتهم العقائدية لاستدلالاتهم العلمية.
See this content immediately after install