Zamen | زامن
أسطورة “افعل ما تحب”
خزعبلة مشهورة في تطوير الذات تقول: “افعل ما تحب وحسب” ليست مغلوطة تماما، بل صائبة؛ لكنها خطوة صغيرة وحسب.مارس ما يحرك دواخلكالأهواء في تبدل دائم. كنت أحب الموسيقى، وحاليا أحب الفنون، كنت أحب الخيال العلمي، والآن؟ أحب الفلسفة القديمة، وهلم جرا.. ماذا عنك؟الأهواء في تبدل دائم، وما هذه إلا سنة الحياة، إن لم يكن كذلك، فهل تنمو وترتقي وتتسع آفاقك؟ على نحو قاصر غالبًا.الميل لشيء مغاير في كل مرحلة من حياتنا طريقة نعرف بها أننا نحذو نحو كيانات أسمى لحضورنا.من الساذج “عذراً لقولي هذا” أن تحب القصص المصورة في الأربعين من عمرك تماماً كما كنت تحبها في الرابعة عشرة “تماما كما كنت”!فيفترض أن تصير نظرتك لها على الأقل أثرى وأنضج. الركود في أسلوب الحب يعكس أن المدى العاطفي والذخيرة الإدراكية والتجربة الإنسانية، لا تتأصل ولا تتوغل ولا تتمدد فينا بحق.لذا لا تفعل ما تهوى وحسب، بل ما يحرك شغاف قلبك، ما يفطر فؤادك ويزلزل روحك ويغشى بصرك كصاعقة قوية.الفارق شاسع بين ما يحرك مشاعرك وبين ما تحب، ما يحرك مشاعرك هو المحور أو المفهوم أو الرسالة التي تضم كل ما تحب. أنا أحب جويديفيجن وبيكاسو وتروفوت، وما يحركني حقًّا هو العامل المشترك بينهم، الخيط الذي يربطهم: شغف بالأسى والتحرر والرونق. هذا ما يحرك دواخلي حقًا، وأهوائي تابعة لذلك، وهكذا سيكون الأمر دائمًا. قد أكتشف العام المقبل رسامًا جديدًا أو كاتبًا أو فرقة غنائية أو كتابًا يعجبني، لكن ما يحرك دواخلي في تلك الأشياء سيظل واحدًا. هذا ما علي أن أقتفي أثره لأحظى بحياة عامرة فعلًا. حياة عامرة بالمعنى، والعزم والسعادة. على خلاف السعي لأصبح مجرد نسخة أخرى من جوي ديفيجن أو بيكاسو أو ترافوت.لتفعل ما يحرك شغاف قلبك، عليك أن تكتشفه في المقام الأول. فكر في كل الأشياء التي تحبها، ما الذي يربطها؟ وما هي حلقة الوصل بينها؟يحتاج كل منا لإيجاد طريقه على هذه الحياة الدنيا، لا أن يسلك طريق شخص آخر فحسب.افعل ما يحبكما يحرك دواخلك قد لا يبادلك الحب دائماً! هذه هي الحقيقة المرة.بعض المهن لا تجزي بالنسبة لبعض الأشخاص. لا من الناحية المادية فقط؛ بل على المستوى الإنساني، حيث لا تُنشئ علاقات ولا تحرز الكثير من التقدم، ولا تتعلم ولا تخوض تحديات ولا تبدع ولا تنمو. تتواجد فقط، تكابد وتعاني وتزداد وهنًا وإحباطاً.مارس شيئًا يبادلك الحب.إن كنت امرأة فلا تفني عمرك في مؤسسة تعج برجال صدئين رجعيين لن يقدروكِ أبدا، وفي تكرار المحاولة دون جدوى. إن كنت ضمن أقلية فلا تضيع عمرك في محاولة كسر السقف الزجاجي دون جدوى في مكان يتضح أنه مصنوع من الألماس.تلك الحياة لا تقدر على مبادلتك الحب. قد تقضي دهورًا تحاول تحقيقها، ومن غير المرجح أن تحظى بغير مرارة الإحباط والألم.اجعلها هوايتك، اجعلها متعتك، اجعلها خطتك البديلة، لكن لا تنصبها منصب طريقك الأوحد. ابتعد عن الأماكن والأشخاص السامين غير القادرين على مبادلتك الحب.انتقِ جبلا أفضل لتتسلقه، جبل يمكنك قياسه! لا لتبلغ القمة وحسب، بل لتكبر بإحراز التقدم والتمدد والاستكشاف وحتى بالسقوط، لكن دون أن تُسحق على مدى الطريق.هذا ما يعنيه أن تبادَل الحب، لا تسل عقلك، واستفت قلبك، حدسك الدفين. هل هذا المكان وهؤلاء الأشخاص وهذه المنظومة تبادلني المحبة؟ هل ستبادلني الحب يومًا؟ أفي وسعها ذلك؟ فاجلس وأنصت، فإذا نضب ذاك المحيط فالإجابة لا، وإن تدفق المحيط فالإجابة بلى.افعل ما يقدم الحبوهذا هو الأجدى بمراحل، بأميال وسنين ضوئية وعصور.لا يكمن بيت القصيد في فعل ما تحب، وإنما فيما يُكِن حبًّا في مكامنه، ما يقدم العون للناس ويحتويهم ويفيدهم. ما يحسّن ويغير ويحول حيواتهم.الكثير من الأشياء في هذا العالم لا تحمل حبًّا في داخلها، ولا أي حب. قد تدعي أنها “صنعت بعناية” لكنه شعار تسويقي بحت يخبرك بعكس ذلك. الكثير من الأشياء تصنع دون عناية وبلا تمحيص ولا تقدم أي نفع حقيقي إنساني. إن لم تحمل أي معنى أو هدف أو بهجة، كيف ستكسب من وراءها أي شيء؟القرار الأهم في حياتك هو أن تقوم بما يقدم الحب، إن كان ما تفعله يقدم حبًّا فإن قيامك بشيء يبني الحياة، ويمنح الحياة ويغير الحياة، سيمنحك على الدوام شعورًا بالحرية والصدق والنبل والجمال. لأنك فعلا كذلك!والآن سترضى.لكن إن كان ما تفعله لا يكن شيئا من الحب، وإنما يحطم الحياة ويستغل الناس وحسب، فكيف ستشعر حينها؟ قد تتعلم حتى أن تتفادى شعورك بالذنب، وتدفن الخزي، وتكتم الفشل والخيبة، وهذا كل ما ستفعله، وكل ما ستصب عليه طاقتك.السعادة والمعنى والرضا، لا تأتي دون القيام بما يمنح الحب، تنبع دوماً من منح الحب.هنا تكمن أهمية المبدأين الأولين، القيام بما يمنح الحب يتطلب تفانياً والتزاماً واهتماماً لا ينبع إلا من القيام بما يحرك دواخلك. وليس فقط مما “تهوى” هذا العام، وينبغي أن يتغذى ويقتات على ممارسة ما يبادلك الحب، لتجد ما يسندك ويتمسك بك عندما تفشل، لا ما يسحقك ويلقي عليك الملامة هذا ليس شكلا للحب.ابدأ من النقطة الأخيرة: هل ما تفعله يحمل أي حب في داخله؟ إن لم يكن كذلك فربما لأنه لا يُكِن حبا لأحد ولا حتى لك، ولهذا لا يبادلك الحب.عد إلى نقطة البداية، دعك مما تهوى حاليا، ما الذي لطالما أحببته؟ وما الذي يحرك مشاعرك في كل ما تحب؟وامض في تلك الطريق، لطالما همست طريقك لك، والآن تعرف كيف تصغي إليها.
See this content immediately after install