Zamen | زامن
داء هنتنغتون Huntington disease
التعريف Definition:داء أو مرض هنتغتن هو مرضٌ عصبيٌّ وراثي يتسبب في أذية الخلايا العصبية في الدماغ ما يؤدي إلى طيفٍ واسعٍ من الأعراض والعلامات التي تصيبُ المريض وسنتعرف عليها تباعاً في هذا المقال.السبب المرضي Causes:كي نعرفَ ما سيعانيه مريضُهنتغتن ونتوقعَ ما سيؤول إليه أمرُه بعد إصابته بالمرض ونضعَ خطةً لعلاجه، لا بدَّ بادئ ذي بدء أن نعرفَ الآليةَ المرضيةَ التي أدت إلى هذا الداء في المقام الأول.أولاً، نعرف جميعاً أنَّه توجد داخل نواة كل خليةٍ في جسمنا المادةُالوراثية التي تُمثل كُتيّبَ التعليماتِ الذي بموجِبه ستعمل الخلايا وتنجزُ وظائفَها. بنيةُ هذه المادة الوراثية هي الحمض النووي منقوص الأوكسجين الذي يُعرف اختصاراً بـ DNA وحقيقةً فإنَّ كُتيّب التعليمات هذا مكتوبٌ بلغةٍ خاصةٍ به مؤلفةٍ من أربعة أحرف فقط هي الأدينينA والغوانينG والستوزينC والثيامينT، وكلُّ ثلاثةِ أحرفٍ بترتيبٍ معين تُشفِّر لحمضٍ أميني واحد، فالـ CAG مثلاً تعطي التعليمات لصنع الغلوتامين، وتتالي ثلاثيات الحروف يُشكل لنا تتالياً لحموضٍ أمينية يتم خارج النواة -في عُضيَّة خَلوية تُعرف بالريبوسومribosome وهي أشبه بالمصنع الذي يُنفِّذ التعليماتِ الواردةَ من النواةويجمع الحموضَ الأمينيةَ-التي صُنِّعَت وفق تسلسل الثلاثيات في الـDNA-لتشكيل بروتيناتٍ ذاتِ دور محوري في تنظيم الجسم وبنائه. وتجدر بنا الإشارة هنا إلى أنَّ المادة الوراثية تتجمع على شكل وحدات تُسمَّى صبغيات Chromosome عددها عند البشر 23 زوجاً.من الواضح حتى الآن لمن لم يطَّلع على هذه المعلومات سابقاً أنَّ دراسةَ المادةِالوراثية أمرٌ واسعٌ ومعقد -وهذا أمرٌ يعرفه بداهةً من درسها-وسنكتفي بهذا القدر هنا ونعودُ إلى المرض الذي هو صلب موضوعنا: مرض هنتغتن.تصنع الخلية بالاعتماد على الصبغي رقم 4بروتيناً يُسمَّى بروتين هنتغتن، وصراحةً فإنَّ العلماءَ لا يعرفون على وجه التحديد وظيفةَ هذا البروتين، وما يهم هنا أنَّالمورثةgene (مجموعةٌ من تتالي الثلاثيات مسؤولةٌ عن صنع بروتين) الخاصة بهذا البروتين تحوي تتالياً من الـCAG وهي الثلاثية التي تُشفِّر لصنع الحمض الأميني الغلوتامين. في الحالة الطبيعية يحوي البروتين تتالياً من هذه الثلاثية يتراوح بين 10 إلى 35 تكراراً(وهو ما يقابل 10-35 جزيء من الغلوتامين مرتبط مع بعضه)، المشكلة التي تسبب داء هنتغتن هي أنَّ تكرارَ الثلاثيةِCAGيبلغ أكثر من 35 إذ قد يصل إلى 120 تكراراً ما يؤدي إلى تشكيل مورثة طافرة، وبالتالي بروتين طافر يترسب في الخلايا التي تصنعه فيؤذيها، وطبعاً كلَّما زادَ التكرار، ظهر المرض بسنٍ مبكر أكثر وكانت أعراضُه وعلاماتُه أشد.هذا المرضُ الوراثي ذو صفة جسمية سائدة Autosomal Dominant. قد لا يبدو مصطلحُ "سائد" واضحاً لمن لم يطلع على العلوم الوراثية قبلاً لكنَّ الأمرَ ليس بالصعب فنحن نملك كما قلنا 23 زوجاً من الصبغيات، وسببُ وجودها في أزواج أنَّنا نرثُ نصفَها من الأب ونصفَها المقابل من الأم (وهذه الصبغيات المتقابلة تحوي مورثاتٍ متقابلة)، والمقصودُ بالسائد أنَّ وراثة مورثة طافرة(أي مورثة معيبة وبالتحديد تعرَّضت لطفرة) واحدة تسبب المرض حتى لو كانت المورثة المقابلة سليمة، أما المرضُ الوراثي ذو الصفة الجسمية المتنحية فيجب أن يملكَ الإنسانُ نسختين من المورثةالطافرة كي يُصاب بالمرض.الخلايا العصبية الأساسية التي تتضرر من هذا هي خلايا موجودة في بنى عصبية تُسمَّى النواة المذنبة Cudate nucleusوالبطامةPutamen وقشر الدماغ cerebral cortex،(ولنكون صريحين فإنَّ أسماءَ هذه البنى العصبية المذكورة قد تبدو غيرَ مفهومة للقارئ العادي، وهو معذور في ذلك فالتشريح العصبي من الأمور المعقدة التي لا يسعنا المقام لذكرها هنا، ولن نحتاجَ إلى التوسع فيها أيضاً).الأعراض والعلامات Signs & Symptoms:يُمكن لتظاهراتِ المرض أن تبدأ في أي سنٍ تقريباً،لكنفي معظم الحالات فإنَّها تبدأ ما بين 35-44 عاماً، ونادراً ما تبدأ قبل العاشرة أو بعد السبعين. طيفُ الاضطرابات واسعٌ، نتحدث عنها الآن بالتفصيل:تغيُّرات السلوك:هي أولُّ ما يُلاحظ على المريض وتشمَل:● ضعفُ المشاعر وعدم المبالاة بالآخرين.● نوباتٌ من الغضب والعدوانية والاكتئاب والانطواء على الذات.● عدمُ القدرة على التركيز على أكثر من أمر.● سهولةُ الاستثارة.التغيُّرات النفسية:أهمها على الإطلاق الاكتئاب. مرضى هنتغتون معرضون أكثر من غيرهم للتفكير بالانتحار خاصةً عندما يفقدون قدرتَهم على الاعتناء بأنفسهم (نتيجةَ عيوب الحركة التي يعانونها والتي سنتحدَّث عنها فيما بعد).الاضطرابات الحركية:تبدأ هذه الاضطراباتُ على شكل حركات لا إرادية في الوجه والأطراف، ومع مرور الزمن تصبح أكثرَ شدةً وتكراراً، لكن تصبح الحركةُ إجمالاً في المراحل الأخيرة من المرض بطيئةً وتكون العضلاتُ متصلبة.اضطرابات التغذية:أشرنا قبل قليل إلى الاضطرابات التي تصيب الجهازَ الحركي (العضلات بالتحديد)، والعضلاتُ المسؤولةُ عن عملية البلع ليست استثناءً فهي الأخرى تتعرضُ لتقلصاتٍ لاإراديةٍ فيها فضلاً عن عدم تناسقها مع بعضها ما يُسبب مشكلاتٍ في البلع. يسبب هذا كلُّه نقصَ الوزن رغم شهية المريض الجيدة،ولذلك فقد يُسقِطُ المريضُ الطعام أو يبصقه. وهنا قد يحتاج إلى علاجٍ وعنايةٍ خاصتين.اضطرابات التواصل:يعاني المريض اضطراباتٍ في التواصل والوعي،ورغم أنَّ المرضى يفهمون ما يقولُه الآخرون لهم، إلا أنَّهم يعانون مشكلاتٍ في تشكيل الجمل وفي اللفظ. ومع تقدم المرض، تزداد مشكلاتُ المريض في التواصل مع الآخرين فينطوي على نفسه.المشكلات الجنسية:تحدث خاصةً في المراحل الأولى من المرض، إذ يفقد المريض الاهتمامَ بالجنس أو يميلُ إلى سلوكيات جنسية غريبة.المراحلُ الأخيرة من المرض:تزدادُ حالُ المريض تدهوراً إلى أن يحتاجَ إلى رعايةٍ تمريضيةٍ كاملة، وغالباً ما يكون سببُ الوفاة ثانوياً لتطور ذات الرئة pneumonia* أو أي مرضٍ إنتاني آخر.تشخيص المرض Diagnosis:غالباً ما يضطلع طبيبُ الأمراض العصبية بهذه المَهمة، وفي هذه الحالة فإنَّه يبحثُ (ويستفسر من المريض) عن أي سوابقَ تخصُّ تغيُّراتٍ عاطفيةٍ أو سلوكيةٍ، ويفحصُالجهازَ العصبيَّ والحركي. قد يطلب الطبيب أيضاً فحصاً وراثياً بحثاً عن المورثة المصابة، وربما يُجري فحوصاً شعاعيةً هي الطبقي المحوري CT والرنين المغناطيسي.MRIالعلاج Treatment:للأسف، لا يوجدُ علاجٌ للمرض، إنَّه مرضٌ مُترقٍ (يسوء مع الوقت) وينتهي بالوفاة، لكن هناك علاجاتٌ عرضيةٌ وتلطيفيةٌ (أي تهدف إلى تخفيف أو حتى السيطرة على أعراض المرض) تتمثل مثلاً بمساعدة المريض الذي يعاني مشكلاتٍ في الكلام على الكلام، وكذلك إلى حلِّمشكلاتِ التواصل لديه.يتضمنُ العلاجُ أيضاً أدويةً مضادةً للاكتئاب هي مضادات الاكتئاب ثلاثيةُ الحلقة كالـ amitriptyline أو الأدوية المعروفة بـ SSRI مثل الـcitalopram (لكن لهذه الأدوية أعراضٌ جانبية مثل التعرق والإمساك والأرق)، والأدويةَ المسؤولةَ عن تحسين المزاج -أي منع تغيراته-مثلالـcarbamazepine .يشمَلُ العلاجُأيضاً التقليلَ من الحركات اللاإرادية باستخدام أدوية مثل الـtetrabenazine وbenzodiazepines .وبالتأكيد لا بدَّ من تعاون الأهل ليقدموا الدعمَ اللازمَ للمريض خلال مدة حياته.وأخيراً نترككم مع هذا الفيديو الرائع في موقع "الباحثون السوريون" عن داء هنتغتن:هناالحاشية:*ذات الرئة: التهاب الرئة (أو الرئتين معاً) لسبب بكتيري أو فيروسي، وفي حالات أندر بسبب مواد كيميائية معينة.المصادر:هناهناهناهناColor Atlas of Genetics، 3rd edition، Thieme.
See this content immediately after install