Zamen | زامن
تطبيق واتساب وصل إلى مليار مستخدم بالتركيز على المنتج وليس التقنية
لوران بيير باكولارد – هارفارد بزنس ريفيو: في الوقت الذي تُغيِّر فيه التقنية الرقمية شكل الشركات الواحدة بعد أخرى، تميل الشركات الكبرى للنظر إلى الابتكار والتعطيل المصاحب للإبداع على أنه نتيجة لاكتشافات ثورية أو معجزات تقنية. هم يراقبون النمو الهائل لشركات مثل واتساب وإنستجرام ويفترضون أن الابتكار الخالص هو الحيز الذي يزدهر فيه الطلبة المغرمون بالرقمية ورواد الأعمال الطموحون. فتكون استجابتهم الطبيعية على ما يرونه: “أنّى لنا هذا!”. لكن عندما روى مبارك إمام، رئيس شؤون النمو والشراكات في شركة واتساب، قصة الشركة لمجموعة من كبار التنفيذيين وخبراء التقنية في مؤتمر في بالو ألتو العام الماضي كان واضحاً خلو القصة من أي إشارة إلى اختراق رقمي أو لحظات شعرنا فيها كأن أمراً عجيباً قد كُشِف لنا. ومع ذلك تبقى هذه القصة الواقعية قصة تستحق أن يتأمل فيها كل من كان يتوق لمعرفة السحر أدخلت به التقنية الرقمية محاربين قديمين من شركة ياهو في نادي أصحاب المليارات بين ليلة وضحاها. تُبيّن لنا القصة أن تحويل فكرة بسيطة نسبياً إلى مكسب سريع يبلغ 19 مليار دولار يتطلب حل المشاكل باستخدام الأدوات المتوفرة أكثر منه اختراع حلول جديدة من الصفر. أطلق مؤسسا واتساب جان كوم وبريان أكتون شركتهما بناء على افتراض بسيط: سنطلق تطبيقاً للرسائل النصية سيرغب الناس باستخدامه، ودون إمطارهم بالإعلانات. بعدما شاهدا كيف كانت ياهو تستهلك موارد هندسية ضخمة للتنقيب في بيانات المستخدمين دون الوصول لنتيجة تُذكر، آمن الرجلان أنَّ النموذج التجاري الأفضل يكون بفرض رسم على المستخدمين وتجميع فريق صغير ومرن يكرِّس جهده لتحسين المنتج بشكل تدريجي تصاعدياً كما يشرحان ذلك في مقالتهما بعنوان “لماذا لا نبيع إعلانات”: “في واتساب، يقضي مهندسونا وقتهم في إصلاح الأعطال وإضافة ميزات جديدة وتذليل كل التعقيدات في إطار مهمتنا لجعل التراسل النصي الثري والرخيص والموثوق منه في متناول كل شخص في العالم. هذا هو منتجنا، وهذا هو شغفنا. بياناتك ليست ضمن رؤيتنا. نحن ببساطة غير مهتمون بها.” لا يمكن وصف منتج واتساب في حد ذاته بأنه ثوري من ناحية التقنية، لكنه سهل الاستخدام ويسمح للناس فعل ما يريدون –الدردشة بأمان (فردياً أو ضمن مجموعات) ومشاركة الصور والفيديوهات وإجراء مكالمات عبر الإنترنت- كل هذا دون خوف من مراقبة أحد لك أو تلاعبه ببياناتك. كان هذا كافياً لجعل واتساب ينتشر كالنار في الهشيم ويحقق نمواً مذهلاً مدفوعاً في أغلبه بالتوصيات بين مجتمعات الإنترنت. الدروس المستفادة هنا واضحة: قوة التركيز. عرف واتساب ما أراده عملاؤه فواظب عليه مُعرِضاً عن المغريات المعتادة التي تُعرض على الشركات للقيام بعدة أمور في وقت واحد. أهمية قابلية التطور. لا يزال جوهر أسلوب عمل واتساب اليوم نفسه كما كان عندما بدأت الشركة. أطلقتْ الشركة منتجاً، جمعت الآراء عليه، وكررت العملية مع تطور المنتج واستقطابه لمستخدمين جدد. الأولوية لبناء المنتج. بقرارها هجر الإعلانات، راهنت واتساب على أن قيمة الشركة تعتمد على بناء قاعدة من المستخدمين أكثر من اعتمادها على إغراق الشركة في مستنقع القلق حيال تحقيق المال. وقد أثبت رهانهم صوابه. وفي الواقع، لدى واتساب نموذج عمل يحقق الإيرادات لكنه يقوم على الحجم. وهذا الحجم الضخم يقوم على سهولة الاستخدام التي بدورها تعتمد على بناء الشبكة الأكبر والأكثر حيوية. تُظهر الأمثلة الشبيهة بواتساب أن الابتكار في العالم الواقعي يتشابه في جوانب عديدة مع خط التصنيع. هناك من ناحية مشكلة تؤرق المستخدم أو سوقٌ جديدة نسبياً. وهناك من ناحية أخرى منتج أو خدمة تحل المشكلة أو تخاطب السوق بطريقة لم تخطر على بال أحد في السابق. وبينهما يجلس جمعٌ من الناس يتأملون في المشكلة محاولين النظر إليها من زوايا مختلفة وجديدة. أحياناً ينطلق هؤلاء إلى المختبر ويعودون حاملين تقنية ثورية جديدة، لكن ما يحدث في أغلب الأحيان هو أنهم يُسَّخرون أجزاءً من تقنيات موجودة مسبقاً ويجمِّعونها مع مقدرات جديدة (أو قديمة) لخلق حل يُحوِّل الزبون المشتكي إلى زبون سعيد. إنه أشبه بفكرة خارقة يمكن تنفيذها مع أي أدوات متوفرة حولك- مزيج غير تقليدي. هناك مثال جيد آخر يأتي من ما حصل للمصاعد. المشكلة الواضحة التي تؤرق أي شخص يريد الوصول إلى مكتب في الطابق 49 هي انتظار قدوم المصعد. لطالما استخدمت شركات المصاعد لسنوات علم الإلكترونيات للتنسيق بين المصاعد المتوفرة لتقليل وقت الانتظار إلى أقل ما يمكن. مؤخراً فقط تمكنت هذه الشركات من تخصيص حل يقوم على التنسيق بين الحساسات موجودة في بطاقات الموظفين من خلال نظام يضبط أين يجب أن يكون كل مصعد كي يكون بالإمكان تقليل وقت الانتظار. هذا في حد ذاته مكّن شركات المصاعد من تجديد نموذج عمل شركاتهم. فمن خلال تتبعهم لمقياس معين، أصبح بإمكانهم بيع أوقات انتظار أقل (بيع المصاعد باعتبارها خدمة) بدل بيعها على أنها مجموعة من المصاعد بسعر معين. هم يبيعون أداء وليس تجهيزات. من الصعب عادةً على الشركات التقليدية فهم هذا النوع من الابتكار. صحيح أنه ليس بإمكان كل شركة (أو ليس واجباً عليها) إعادة ابتكار أسلوب عملها. لكن النمو المستدام يعتمد على تطوير ثقافة من الابتكار المستمر في كل ما تفعله الشركة، كما أن استحضار أساليب جديدة لتنشيط زبائنك يعتمد على تصميم تجربة المستخدم أكثر من اعتماده على اختراعات في المخابر. لهذا، تحتاج المنظمات للتدرب على طرق جديدة للبحث عن مسببات مشاكل للزبائن والفرص الكامنة في حلها حتى يصبح الأمر عادة عنها. لا تتفوق الشركات الأكثر ابتكاراً فقط بتوظيفها للتقنية الرقمية بل أيضاً بالتحدي المستمر لأساليبها في حل المشاكل فتراها تعيد دمج العناصر بطرق مميزة وغير تقليدية. هذه القدرة حاسمة، ولسوف تتنامى أهميتها أكثر مع تسريع التقنية الرقمية للابتكار في السنوات القادمة.
See this content immediately after install