Zamen | زامن
ترامب.. التغير الجيوسياسي وعودة الاستعمار الغربي
صدمة كبيرة أصابت الباحثين عند فوز ترامب، أعقبتها لوثة دفعت الكثيرين إلى التشكيك بأن هناك «منطقًا ما» وراء هذه الأحداث، بدءًا بالبريكست، ثم فوز ترامب، ثم تهديد صعود اليمين المتطرف في أوروبا، ثم لوثة أخرى انتابت المستشرفين بأن حربًا نووية بين أمريكا وروسيا قد تشعل العالم.إن «حركة التاريخ» تستطيع تفسير منطق من دعموا ترامب، وبالإضافة إلى فهم طبيعة الكلية الانتخابية، والمشكلات العنصرية المتأصلة في المجتمع الأمريكي، والتي تعيقه من أن يكون هو المجتمع النموذجي، كان فوز ترامب متوقعًا بالنسبة لي كما بالنسبة للقليلين، واليوم أتوقع أن تأثير ترامب سيحمل كارثة لمنطقتنا -الشرق الأوسط- لم ينبه إليها الباحثون.هنا لا أعرض لطبيعة السياسات الخارجية لترامب، ولا عن تغير السلوك الخارجي الأمريكي مثلًا حيال النظم التي لا تعتمد النموذج الليبرالي السياسي الأمريكي. هنا سأتناول تحديدًا منحى جيوسياسيًّا، ودون استطراد في الدوافع وآليات التفكير التي أوصلتني إلى هذا الاستنتاج. ألا وهو عودة روسيا إلى القارة الأوروبية، وبالمباركة الأمريكية من ترامب.منذ بيتر العظيم، وما أطلقه من إجراءات عميقة وأخرى شكلية لعملية «تغريب روسيا» حملته على إلزام الرجال بحلق لحاهم، وروسيا تعتبر أوروبية جيوسياسيًّا، وذلك على الرغم من التباين بين الحال السياسي الداخلي لروسيا القيصرية، وقريناتها من الملكيات الأوروبية، إذ كانت روسيا تمثل الدرجة الأكبر في القمع السياسي الداخلي، وعديد من الاختلافات الاجتماعية والثقافية الدينية الأخرى، إلا أنها كانت أوروبية في علاقاتها مع أوروبا، ومع الشرق الأقصى، ومع الشرق الأوسط، وحتى في خطط الانتشار الحربي والتكتيكات العسكرية والنظم الإدارية كانت أوروبية إلى حد كبير أكثر منها أوراسية. وكان الشرق العربي والعثمانيون يرون روسيا قوة «غربية»، وكانت روسيا جزءًا من حركة الاستعمار الغربي رغم أنها لم تنل شيئًا من الدول العربية، إلا أنها كانت جزءًا من طاولة القرار الأوروبي للمنطقة، وتنال ما تناله من مصالح بمقاربات متعددة الأشكال مع بريطانيا وفرنسا وغيرها.إلا أن هذا تغير جذريًّا (paradigm shift) مع صعود الشيوعية إلى السدة، ومع لينين، ومنذ عام 1918، يمكن اعتبار الاتحاد السوفيتي دولة أوراسية لا أوروبية في نظر الحلفاء الغربيين.ولكن بعد انهيار حائط برلين وتفكك الاتحاد السوفيتي واتحاد الألمانيتين، وعودة المسمى «روسيا الاتحادية» بدلًا من الاتحاد السوفيتي، دفعت واشنطن بموسكو خارج القارة الأوروبية، دون أن تترك متنفسًا لأي احتمالية تعود بها من جديد إلى أوروبا كما كانت إبان العهد القيصري، وكان ذلك متوقعًا أن يحدث إذا ما مررته واشنطن، لكنها ألزمت روسيا بغير ذلك، وأصبح الدفع الأمريكي لروسيا خارج دائرة استقرارها الأوروبية الغربية جزءًا من ثوابت السياسة الخارجية لدى النخبة الأمريكية.الآن وقد أتى رجل غير نخبوي، يصرح أنه يرى بوتن صديقًا أكثر منه منافسًا أو خصمًا، وبتفهم أن بوتن يرى نفسه القيصر بيتر الجديد، ومحتفظًا بالنزعة السوفيتية دون فكرها أو مبادئها، وإذا أضفنا العوامل الأخرى في الاتحاد الأوروبي، مثل الرغبة الألمانية في تقارب روسي أوروبي يوسع قدرات الاتحاد الاقتصادية، وتنامي حركات اليمين المتطرف، والتي يمكنها أن تتقارب مع بوتن، مثل مارين لو بان الفرنسية، ومع تخلخل المنطقة سياسيًّا حيث تهاوت النظم التقليدية، وتهاوت أيضًا البدائل التقليدية مثل جماعة الإخوان المسلمين، فإنها كلها تصب في ذات النقطة.في اللحظة التي يكتمل فيها هذا التغير الجيوسياسي بحيث يستوعبه قادة العالم، ويصبح فهمه مشاعًا لدى الخاصة والعامة، تبدأ مرحلة جديدة «كارثية» في الشرق الأوسط. إذ مع العودة الجيوسياسية لروسيا إلى القارة الأوروبية، مترافقة مع انسحاب البساط تدريجيًّا من تحت أحادية القطبية الأمريكية -شاءت واشنطن أم لم تشأ- تحمل احتمالية واحدةً لمنطقة الشرق الأوسط، وهي فترة استعمارية جديدة للمنطقة العربية. تقتسم فيها روسيا وأوروبا والولايات المتحدة -قوى الغرب إجمالًا بعد العودة الروسية للقارة الأوروبية- منطقةً صارت هي الأكثر تعقيدًا في مناحيها السياسية الداخلية إلى درجة تناقضية الصراع، والأكثر تضاؤلًا في المنحى الاقتصادي والإداري.هذا الحديث عن حقبة استعمارية جديدة مخالف لما يتداوله الباحثون والساسة حول مؤامرة غربية لإعادة ترسيم الحدود، إذ إعادة الترسيم وقتها ستكون جزءًا تنفيذيًّا ليس هدفًا في حد ذاته.حديثي هذا يمكنك تقبله إذا تذكرت الأشخاص الذين اختارهم ترامب لمواقع حساسة كلها قادرة على صنع الحرب، بدءًا بمستشار الأمن القومي، والذي كان قائد القيادة المركزية العسكرية للولايات المتحدة، والمعنية بمنطقة الشرق الأوسط. مرورًا بتزايد عدد الذين اختارهم من البوتقة العسكرية لعديد من المناصب السياسية المدنية، لكن وبخلاف ما يتحدث عنه الكتاب السياسيون عن حرب عالمية نووية بين الغرب، والشرق طرفاها ترامب، وبوتن، إلا أنني أتوقع أنها حرب تجمع الرجلين اللذين يصرحان برغبة عارمة لدى أحدهما في لقيا الآخر. ثم هناك اللقاء الأوحد الذي جمع بين ترامب، وأوباما لمدة ساعة، وكان للوضع في الشرق الأوسط نصيب الأسد من حديثهما.يمكن لهذا المستقبل السوداوي أن يختفي من أعيننا في لحظات إذا لم يتم إقرار ترامب رئيسًا في المجمع الانتخابي القادم في ديسمبر، ويمكن أيضًا ألا يتيح له التموج الداخلي في الولايات المتحدة الفرصة لأن يعلن حربًا قد يفسرها اليمينيون أنها مقدسة صليبية، ضد التطرف الإسلامي المتولد في المنطقة العربية، يمكن تخيل الكثير من الأشكال الدرامية لسقوط ترامب في سنواته الأولى، بتوقيعات من وزرائه ومجلس الشيوخ لعزله، أو دراما أخرى يغتال فيها بوتن بتدبير أحد رجاله. أو أن ينمو يمين ألماني متطرف يستحوذ اهتمام الرجلين خشية أن تعود نزعة ألمانيا العظمى من جديد لتسود القارة الأوروبية.يمكنك أن تطلق خيالك لكثير من هذه الأحداث الدرامية التي لربما نصادف إحداها لنعود مع شخصيات أخرى أكثر منطقية، أو بالأحرى تعتمد منطقًا إستراتيجيًا وجيوسياسيًّا اعتدناه ويمكن أن نتفهمه. لكن إن استمر ترامب وبوتن، فإن التغير الذي وصفته فيما سبق سيكون حتميًّا.أخيرًا، من غير الواقعي أن يتوهم الزعماء العرب أنهم قادرون على إقامة صداقة طويلة المدى مع ترامب، إذ إن هذا ليس متسقًا فقط مع ما يمكن قراءته من شخصية ترامب التلفزيونية الاستعراضية، ولكنه أيضًا غير متسق مع طبيعة الشرق الأوسط الجيوسياسية الحالية. الصداقة لا يمكن أن تكون محور العلاقة مع ترامب، ولكن أمورًا أخرى يمكن تبنيها سأشرحها في مقال قادم إن أراد الله.
See this content immediately after install